عيد الجيش السوداني… حين تتجاوز المؤسسة العسكرية ميادين القتال إلى بناء الوطن!؟


السفير.د.معاوية البخاري

في كل دول العالم، يُقاس دور الجيوش بقدرتها على حماية السيادة والدفاع عن الحدود وصون الأمن القومي. غير أن التجارب الوطنية الكبرى أثبتت أن الجيوش لا تؤدي رسالتها كاملة في ساحات القتال وحدها، وإنما تمتد أدوارها إلى الإسهام في بناء الدولة، بشراكة ومساندة المجتمع، ودعم التنمية، وتعزيز التماسك الوطني، خاصة في أوقات الأزمات والكوارث.

ويأتي الاحتفال بعيد الجيش السوداني هذا العام في ظرف استثنائي يمر به السودان، حيث ما تزال البلاد تواجه آثار حرب مركبة وغزو بالوكالة خلف أعداداً مهولة من القتلى والضحايا، و دمارًا واسعًا في البنية التحتية، ونزوحًا ولجوءً لملايين المواطنين، وأعباءً اقتصادية واجتماعية وإنسانية غير مسبوقة. وفي مثل هذه الظروف، تتسع مسؤولية المؤسسة العسكرية لتشمل، إلى جانب واجبها في حماية سيادة البلاد وصون كرامة شعبها، الإسهام في معالجة الآثار التي خلفتها الحرب، وتهيئة البيئة الملائمة لاستعادة الحياة الطبيعية، ودعم جهود التعافي الوطني.

لقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن الجيوش الوطنية كانت دائمًا جزءًا من عملية إعادة البناء والإعمار بعد النزاعات، من خلال إعادة تأهيل الطرق والجسور، والمساهمة في تشغيل المرافق الحيوية، ودعم الخدمات الصحية والتعليمية، والمشاركة في مواجهة الكوارث، وتأمين عودة المواطنين إلى مناطقهم، والمساعدة في إزالة آثار الدمار. وهذه الأدوار ليست بديلاً عن المؤسسات المدنية، وإنما تأتي في إطار تكامل مؤسسات الدولة وأجهزتها عندما تواجه تحديات استثنائية، بروح وطنية ومسؤلية أكبر.

وفي السودان، تبرز الحاجة اليوم إلى أن يكون الجيش شريكًا رئيسيًا في مرحلة التعافي الوطني، من خلال تسخير إمكاناته الهندسية والفنية واللوجستية للمساهمة في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، ودعم مشروعات البنية التحتية، وتأمين انسياب المساعدات الإنسانية، والمساعدة في استعادة الخدمات الأساسية للمواطنين، بما يعزز ثقة المجتمع في مؤسسات الدولة ويخفف من معاناة المتضررين بتهيئة وفتح المسار الحياتي.

ولا يقل الدور الاجتماعي أهمية عن الدور الأمني. فقد أفرزت الحرب تحديات عميقة مست النسيج الاجتماعي، وأوجدت حالات من النزوح والتشتت وفقدان مصادر الدخل، الأمر الذي يجعل من الضروري أن تسهم جميع مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش، في دعم المبادرات الوطنية الرامية إلى تعزيز التماسك المجتمعي، وترسيخ قيم التعايش، وحماية الوحدة الوطنية من آثار الاستقطاب والانقسام الذي تفرزه الحروب عادة، ومكافحة خطاب الكراهية.

لقد برز خلال هذه المرحلة مشهد لافت تمثل في حجم الالتفاف الشعبي حول الجيش من مختلف مكونات المجتمع السوداني. فعلى الرغم من الظروف الاقتصادية القاسية، وما تحمله المواطنون من أعباء الحرب ومعاناتها، فقد عبّرت قطاعات واسعة من الشعب عن مساندتها للمؤسسة العسكرية وانخرطت في صفها، انطلاقًا من قناعة بأن الحفاظ على مؤسسات الدولة يمثل شرطًا أساسيًا لصون وحدة البلاد ومنع انهيارها. وقد تجلت هذه المساندة في صور متعددة، عكست عمق العلاقة التاريخية بين الجيش والمجتمع، ورسخت مفهوم المسؤولية الوطنية المشتركة في مواجهة التحديات ودحر العداء، وهذه ميزة في سفر شعب السودان.

غير أن المرحلة المقبلة تفرض مسؤوليات متبادلة. فإذا كان الشعب قد قدم الدعم والصبر وتحمل تبعات الحرب، فإن بناء الثقة يقتضي أن تتجه نحو تمتين أجندة الداخل، وكل الجهود نحو مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، وأن تتكامل الأدوار بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات المدنية، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، والكفاءات الوطنية في الداخل والخارج، بما يحقق نهضة شاملة تعيد للمواطن الأمن والاستقرار والخدمات وفرص الحياة الكريمة.

إن الاحتفال بعيد الجيش لا ينبغي أن يكون مناسبة لاستحضار الانتصارات والبطولات العسكرية فحسب، بل فرصة للتأمل في مستقبل السودان وتمتين لحمة الامن القومي،واعادة بناء النسيج الوطني، وفي الكيفية التي يمكن بها تحويل تضحيات سنوات الحرب إلى مشروع وطني جامع يعيد بناء الإنسان قبل العمران. فالدول لا تنهض بالسلاح وحده، وإنما بتكامل الأمن مع التنمية، والقوة مع العدالة، والوطنية مع المشاركة المجتمعية.

وفي هذه المناسبة، يستحق الجيش السوداني التقدير لما قدمه من تضحيات، كما يستحق الشعب السوداني، بكل فئاته، التحية لما أظهره من صبر وتكاتف وإيمان بوحدة وطنه رغم قسوة الظروف وعظم التبعات. وستظل هذه الشراكة بين الجيش والشعب هي الركيزة الأساسية لعبور السودان من مرحلة الحرب إلى مرحلة السلام واستدامته وإعادة البناء، بما يحفظ الدولة، ويصون المجتمع، ويؤسس لمستقبل أكثر أمنًا ووحدة وتماسكاً وازدهارًا.

وتؤكد التجارب الدولية في الدول الخارجة من النزاعات والحروب أن دور القوات المسلحة لا يتوقف عند استعادة الأمن وحسم المعارك، بل يمتد إلى الإسهام في إعادة بناء الدولة، وحماية مؤسساتها، وتأمين البيئة اللازمة للتعافي الاقتصادي، وإعادة الإعمار، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين، واستعادة الخدمات الأساسية، بما يجعل المؤسسة العسكرية أحد أعمدة الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة الاستقرار والتنمية. غير أن نجاح هذا الدور يظل مرهونًا بوجود مؤسسة عسكرية وطنية موحدة تحتكر الاستخدام المشروع للقوة وفق الدستور والقانون، وتتمتع بوحدة القيادة والأمرة والسيطرة، بما يقتضي دمج جميع التشكيلات والقوات غير النظامية، أو تلك التي نشأت في ظروف استثنائية، ضمن القوات المسلحة وفق أسس مهنية وعقيدة وطنية جامعة، بما يضمن وحدة القرار العسكري، ويمنع ازدواجية مراكز القوة، ويعزز احترافية المؤسسة العسكرية وقدرتها على الاضطلاع بمهامها المتعددة في حماية السيادة الوطنية، ومطلوبات الامن القومي بمفهومه الشامل، وصون وحدة البلاد، ودعم مسيرة التنمية وإعادة بناء الدولة على أسس وطنية راسخة ومستدامة.
خاتمة
وفي الذكرى المئوية لتأسيس القوات المسلحة السودانية، وبين يدي أعيادها، لا ينبغي أن يكون الاحتفاء بالماضي وحده، بل باستشراف المستقبل الذي يستحقه السودان. فالجيوش العظيمة لا تُقاس بعدد ما خاضته من معارك فحسب، وإنما بما تصنعه من أمنٍ مستدام، وما تؤسسه من استقرار، وما تمهده من طريق للتنمية وبناء الدولة. واليوم، يقف السودان أمام لحظة تاريخية فارقة تقتضي توحيد الصف الوطني، وترسيخ مبدأ وحدة السلاح تحت راية القوات المسلحة، لتكون المؤسسة العسكرية ركيزةً لدولة القانون، وحارسًا لوحدتها وسيادتها، وشريكًا في نهضتها. فكما انتصرت القوات المسلحة في معركة الدفاع عن الوطن واعادة لحمته، فإن التحدي الأكبر هو الانتصار في معركة بناء الدولة.
ولعل أبلغ ما تختزله هذه المناسبة أن الأوطان لا يحميها جيشٌ قوي فحسب، بل يبنيها جيشٌ قوي تلتف حوله أمةٌ موحدة، وتدعمه مؤسساتٌ راسخة، وتوجهه رؤيةٌ وطنية تستشرف المستقبل. تلك هي الرسالة التي تحملها مئوية الجيش السوداني، وذلك هو الإرث الممتد الذي ينبغي أن نورثه للأجيال القادمة، لينخرط الشباب من الجنسين في رفد مؤسساته العسكرية خدمة وتجنيدا وتطوعا بروح وثابة تبتغي الغايات الكبار كي يبقى الوطن، وتصان كرامة أهله وعزته .
————////——-
مطلع اغسطس ٢٠٢٦ م