التطبيع سراً والإنكار جهراً
——-
مصطفى عبدالعزيز البطل
….
قبل سنوات ظهرت منصة إلكترونية سودانية تُسمّي نفسها “جهينة”، وقدّمت نفسها بوصفها منصة مستقلة ومحايدة، متخصصة في التحقق من الأخبار والشائعات، مع التركيز على المحتوى المتداول في وسائل التواصل الاجتماعي. وزعمت أنها “لا تتبع لأي حزب أو جهة سياسية أو دينية أو قبلية، وأن هدفها هو التحقق من صحة المعلومات ودحض الأخبار الكاذبة”.
هذا النوع من المنصات موجود في معظم الدول الغربية، ويحظى باحترام كبير لما يؤديه من دور مهني في مكافحة التضليل. لكنه، للأسف، لم ينجح في السودان، ولم يحظَ بالثقة التقدير اللازمين، لأن من تصدوا لهذه المهمة لم يكونوا، في نظر كثيرين، سوى واجهة لتيار سياسي معروف، يستخدم شعار “التحقق” لتبييض صورة حلفائه والطعن في خصومه!
قبل أيام نشرت “آفريكا إنتليجنس”، وهي منصة أوروبية، مقربة من المخابرات الفرنسية، متخصصة في الأخبار والتحقيقات المتعلقة بالشأن الأفريقي، وتحظى بمتابعة واسعة في الأوساط الدبلوماسية والاستخبارية والإعلامية الاوربية والافريقية، خبراً يفيد بأن عدداً من قيادات تحالف الحرية والتغيير “صمود”، وقد أوردت أسماءهم، قاموا بزيارة غير معلنة إلى إسرائيل.
ولم تمضِ سوى ساعات حتى سارع جماعة “جهينة” إلى نشر بيان جازم أكدوا فيه أن منصتهم تحرّت وتقصّت وتحققت، ثم انتهت إلى أن الخبر كاذب. ولم يبقَ لهم إلا أن يقولوا بأن “آفريكا إنتليجنس” ليست سوى بوق للكيزان!
ولكن كيف توصلت المنصة المتخصصة ،بحسب زعمها، في التقصي والتحقق، إلى هذا الحكم القاطع؟!
بحسب ما نشرته المنصة نفسها، فإنها استندت إلى أمرين: الأول أنها تواصلت مع أحد الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في الخبر، وهو من قيادات “صمود”، فنفى وقوع الزيارة. والثاني أن “آفريكا إنتليجنس” أوردت الخبر دون ان تكشف عن مصدرها!
ثم ماذا يُقال بعد هذا العبث؟!
من البديهي أن أي شخص لديه أدنى معرفة بالصحافة الاستقصائية أو بتغطية الشؤون الاستخبارية يعلم أن الغالبية الساحقة من هذا النوع من الأخبار تُنشر مع حجب هوية المصادر حفاظاً على سلامتها أو سريتها. أما اعتبار نفي أحد الأشخاص الواردة أسماؤهم في الخبر دليلاً كافياً على كذب الرواية، فهو معيار لا يصدر عن مؤسسة تدّعي ممارسة التحقق المهني، بل لا تقبل به حتى صحيفة حائطية في مدرسة ابتدائية!
ومع ذلك، لم يكن خبر زيارة وفد من “صمود” إلى تل أبيب مما يشغل بالي كثيراً، لولا أنني اطلعت قبل قليل على منشور للصحافي الكبير الأستاذ عثمان ميرغني، في منبر يجمعني به، أكد فيه صحة ما نشرته “آفريكا إنتليجنس”، وأن وفداً يمثل “صمود” برئاسة الأستاذ بابكر فيصل قام بالفعل بزيارة إلى العاصمة الإسرائيلية. وعثمان ليس ممن يلقون الكلام على عواهنه، كما أنه وثيق الصلة بدوائر سياسية ودبلوماسية واعلامية أوروبية وأمريكية متعددة. ونسأل الله ألا تكون صلاته المعقدة هذه قد امتدت هي الأخرى إلى إسرائيل!
ومهما يكن من أمر، فلا حرج على الأستاذ بابكر فيصل ورفاقه إن هم زاروا إسرائيل و”فتحوا خشم بقرتها” طلباً للدعم والمؤازرة. فجميعنا، نحن وهم، يعلم أن السودان، في عهد حكوماتهم بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك، كان قد مضى قدماً في مسار التطبيع مع إسرائيل، وأزال من جواز السفر السوداني عبارة “ما عدا إسرائيل”، ووقع على الاتفاقات الإبراهيمية!
بل إن عضو مجلس السيادة آنذاك، الاستاذ محمد الفكي سليمان، رافق بنفسه وفداً إسرائيلياً ضم مسؤولين من الجيش والموساد، واصطحبهم وكان دليلهم في جولة داخل منشآت منظومة الصناعات الدفاعية، حيث اطلعوا على مرافقها وإمكاناتها وما تنتجه من أسلحة ومعدات عسكرية!
فإذا كانت هذه هي الخلفية السياسية المعروفة، فلماذا كل هذا الحرج؟ ولماذا كل هذا الاستخفاء؟ وما الداعي إلى النفي أصلاً؟ المشكلة ليست في الزيارة نفسها، وإنما في محاولة إنكارها، ثم تسخير منصة تدّعي الحياد والموضوعية لتمنح ذلك الإنكار ختم “التحقق” ووسام “الحقيقة”!
