مصطفى عبدالعزيز البطل
……
شاهدتُ حوارًا تلفزيونيًا، أداره الاعلامي المصري اللامع مجدي الجلاد، مع الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، والذي يعد من أبرز الخبراء المصريين المتخصصين في قضايا مياه النيل، إن لم يكن أبرزهم على وجه الاطلاق، أدلى خلاله بتصريحات أثارت دهشتي!
قال الدكتور شراقي إن سد النهضة هو في حقيقة الأمر: “سدٌّ مصري مقام على الأراضي الإثيوبية، وإنه يمثل خزانًا استراتيجيًا لمصر تُخزَّن فيه احتياطيات مائية تبلغ نحو 64 مليار متر مكعب”، وأضاف: “أن هذه المياه ستصل إلى مصر في جميع الأحوال”! ولفتت انتباهي على وجه التحديد عبارة وردت على لسان الدكتور شراقي جاء فيها في وصف سد النهضة بأنه في الحقيقة “سد مصري بإدارة اثيوبية”!
ومما قاله الدكتور في ذلك الحوار أن الطبيعة الجبلية لإثيوبيا لا تتيح وجود أراضٍ صالحة لإقامة مشروعات زراعية واسعة، وبالتالي لا توجد إمكانية امام اثيوبيا لسحب كميات مؤثرة من مياه السد لاستخدامها في الري!
سبحان الله! إذا كان السد، كما يقول الدكتور شراقي، ليس سوى خزانٍ استراتيجي للمياه يخدم مصالح مصر، فما الذي استدعى كل ذلك التصعيد والتهويل، ودقَّ الطبول ونفخَ المزامير، على مدى سنوات أشاعت أجواءً من التوتر والفزع، وأرهقت أعصاب الناس في مصر والسودان، حتى بات الحديث عن المواجهة العسكرية مع اثيوبيا وقصف السد بالطيران احتمالًا يُتداول على الملأ؟!
صحيح أن الرواية الإثيوبية الرسمية تؤكد أن سد النهضة صُمم أساسًا لتوليد الكهرباء، وأنه لا توجد فيه حتى الآن منشآت ري رئيسية خارجة من جسم السد. غير أن الثابت من الناحية الهندسية هو أن إنشاء محطات ضخ أو قنوات تنقل المياه من بحيرة السد إلى الأراضي الزراعية المحيطة يظل أمرًا ممكنًا متى ما قررت الحكومة الإثيوبية التوسع في المشروعات الزراعية، وهو ما لا يتطلب اكثر من إنشاء بنية تحتية إضافية محدودة!
كما أنه ليس دقيقًا القول إن إثيوبيا، بحكم طبيعتها الجبلية، تفتقر إلى الأراضي الصالحة للزراعة. الحقيقة ان بلاد الحبشة تمتلك عشرات الملايين من الهكتارات القابلة للزراعة، وتُقدَّر هذه المساحات، وفق مصادر مختلفة، بما يتراوح بين 40 و55 مليون هكتار، معلوم ان المستغل منها فعليًا أقل بكثير!
لذلك، فإن تصريحات الدكتور شراقي تثير أسئلة أكثر مما تقدم من إجابات. فإذا كان سد النهضة، بالفعل، لا يمثل أي تهديد لمصر، بل هو مجرد خزان مائي يعمل لمصلحتها، فإن ذلك يقتضي مراجعة جادة للرواية الرسمية التي ظلت سائدة، والتي صوّرت السد باعتباره خطرًا وجوديًا يهدد الأمن المائي المصري!
أما إذا كانت تلك المخاطر لا تزال قائمة، فإن من الضروري توضيح أوجه التعارض بين هذا الطرح الجديد وما استقر عليه الخطاب الرسمي وآراء الخبراء على مدى عقدين من الزمان!
