⭕️ فرية استخدام الأسلحة الكيمائية…
اللواء أسامة محمد أحمد عبدالسلام
لا تزال مليشيا الجنجويد المتمردة وحلفائها السياسيون (ينعقون) صباح مساء باستخدام القوات المسلحة للأسلحة الكيمائية في حربها ضدهم مطالبين ما يسمى (بالمجتمع الدولي) بالبحث والتقصي والتفتيش وإنزال العقوبات بقيادات القوات المسلحة.. والأمر سادتي ليس مستغرباً فقد كانوا هم أول من ألّف وكتب السيناريو وأنتج القصة وسوّق وزوّد بها القوى الدولية ثم روّجها وأشاعها عبر الغرف الإعلامية (المصروف عليها) وهذا دأبهم وليس بجديدٍ عليهم.. فقد مثلّت هذه القوى التي تناصر المليشيا المتمردة المراهنة على بندقيتها المعارضة (المؤذية) للدولة السودانية ولا أقول (للحكومة) وللشعب السوداني كذلك وهذا ليس بتجني وشواهد التاريخ القريب المعاش تقول ذلك.. فما هي الأسلحة الكيمائية؟ وهل يمكن للقوات المسلحة انتاجها وتخزينها ونقلها واستخدامها؟ هل تمثّل الحرب الخاصة التي تقودها ضد تمرد الجنجويد بيئة صالحة للاستخدام؟ هذه أسئلة معرفية جوهرية لابد من الإلمام بها (لنقيس) بالأمتار المكعبة حجم (هرطقة) الجنجويد وحلفائهم في قحط وغرفهم الإعلامية وبعدهم عن الحقيقة الساطعة وكيف أنهم يقولون بما لا يعلمون ويفتون فيما لا يفقهون
استخدمت الأسلحة (الكيماوية) وهذا اسمها في معظم الكراسات العسكرية العربية (تخفيفياً) في الحرب العالمية الأولى وكان ضحيتها أكثر من مليون شخص بين قتيلٍ ومصابٍ وهو ما دعا الدول المشاركة في الحرب على تحريم وتجريم استخدامها.. حدث هذا مباشرة بعد الحرب في العام 1925م حيث ظهر بروتوكول جنيف لعام 1925م الذي حظر استعمال الغازات الخانقة أو السامة أو ما شابهها وللوسائل البكتريولوجية في الحرب.. ازداد التأكيد على المنع والتحريم لاحقاً في العام 1972م والعام 1993م عبر الاتفاقية الخاصة بالأسلحة الكيميائية التي وسّعت نطاق الحظر المفروض على استخدام الأسلحة الكيميائية والمنصوص عليه في بروتوكول عام 1925م ليشمل حظر (استحداث وإنتاج وتخزين وحيازة ونقل) الأسلحة الكيميائية بما في ذلك نظم إطلاقها وشملت أيضا تدمير تلك الأسلحة.. يعد السودان من الدول الموقعة على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة الكيمائية حيث وقّع في العام 1999م واستضاف مؤتمر التوقيع على الاتفاقية الدولية لحظر الأسلحة الكيماوية الذي انعقد بالخرطوم في أغسطس 2003م.. يومها صرّح المدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية روجيليو بفيرتر إلى أنه استعان بوزير الخارجية السوداني الذي وقّعت بلاده اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية عام 1999 لإقناع كل الدول الأفريقية بالتصديق على الاتفاقية
تعرّف العوامل الكيماوية التي تندرج تحت مسمى كبير هو أسلحة التدمير الشامل (أ ت ش) وبالإنجليزية (WMD) التي تضم الأسلحة النووية وتلك البيولوجية بأنها الأسلحة التي تستخدم للتأثير على الأفراد المقاتلين لتقليل كفاءتهم القتالية وحرمانهم من استخدام الأرض والمعدات الحربية وكلها عبارة عن غازات.. وتنقسم لستة أنواع من حيث التأثير على الإنسان هي غازات الأعصاب الغازات الكاوية وغازات الدم والغازات المقيئة والغازات الخانقة والغازات النفسية وكلها تنقسم من حيث طول فترة البقاء في الجو إلى مستمرة وغير مستمرة.. من أشهر هذه الغازات السارين والخردل و الـ VX والفوسجين والكلور ومشتقاته.. الغازات غير المستمرة تبقى في الجو لفترة أقصاها ساعة ولكنها كفيلة بإحداث التأثير المطلوب أما تلك المستمرة فتظل موجودة ومؤثرة لفترة تزيد عن الساعة وقد تمتد لعدة أيام.. في الحروب النظامية بين جيوش الدول تتوفر بيئة صالحة لاستخدام الأسلحة الكيماوية لأن هناك جبهات قتال أمامية (معادية) ومناطق خلفية (صديقة) وهناك خنادق معادية يمكن استهدافها بالغازات كما أنه توجد مسافات (قياسية) للدفاع تسهّل من عملية التحكم في دائرة التأثير على العدو هذا خلاف الحدود بين الدول.. ما جرى خلال الحرب العالمية الأولى يؤكد ذلك ومن الأمثلة ما يلي:
- في 24 أبريل 1915 وفي المنطقة الأمامية بالقرب من بلدة ابرس لاحظ الجنود الفرنسيون والبريطانيون سحابة خضراء صفراء غريبة تتحرك بسرعة نحوهم وعندما وصل هذا الضباب إلى الخط الأول من الخنادق بدأ الناس في السقوط والسعال والاختناق والموت.. أطلق الجيش الألماني في جبهة بعرض ستة كيلومترات 168 طنًا من الكلور في اتجاه خنادق العدو حيث ضرب السمّ 15 ألف شخص مات منهم 5 آلاف على الفور.. وتوفي الناجون في المستشفيات أو عجزوا عن بقية حياتهم ولاحقاً ذهبت القوات الألمانية إلى الهجوم وبدون خسارة أخذت مواقع العدو لأنه لم يكن هناك أحد للدفاع عنها
- بعد ذلك بعامين استخدم الألمان في نفس المنطقة كبريتيد ثنائي كلورو الأثيل ضد الفرنسيين – وهو سلاح كيميائي للعمل الشفاف والذي كان يسمى (الخردل) فأصبحت هذه المدينة الصغيرة مثل هيروشيما رمزاً لواحدة من أخطر الجرائم ضد الإنسانية
- في 31 مايو 1915 استخدمت الأسلحة الكيميائية لأول مرة ضد الجيش الروسي حيث استخدم الألمان الفوسجين فأخذت سحابة من الغاز للتمويه وتم نقل مزيد من الجنود إلى الحافة الأمامية كانت عواقب الهجوم بالغاز رهيبة حيث قتل 9 آلاف شخص بسبب آثار السم ومات حتى العشب
في العصر الحديث اُتهم النظام العراقي باستخدام السلاح الكيماوي ضد المواطنين الأكراد في منطقة حلبجة بالتحديد حيث قتل خمسة ألف مواطن وهي القضية التي أعدم فيها ابن عم الرئيس العراقي علي حسن المجيد الملقب (بعلي الكيماوي).. كما استخدم النظام السوري ذات السلاح ضد المواطنين كان آخرها بمنطقة معظمية الشام والغوطة.. لكن لم تسجل حوادث لاستخدام السلاح الكيماوي في الحروب النظامية أو شبه النظامية خلال الخمسين سنة الأخيرة واقتصر الاستخدام ضد المدنيين فقط ذلك لعدة أسباب موضوعية:
- اعتماد الأسلحة الكيماوية على الظروف والعوامل الجوية وهي مسألة غير مضمونة وعرضة للتقلبات رغم وجود أجهزة وتقنيات تساعد في التنبؤ ولكن يظل التغيّر وارداً حاصة اتجاه الرياح والذي إذا ما حدث فسيكون أثره كارثي والأمثلة كثيرة.
- يصعب جداً ضمان سلامة تخزين هذه الغازات مهما كانت الاحتياطات ممتازة وتوفرت الإمكانيات والتقنيات لذلك يظل الخطر ماثلاً وهذه كلفة عالية فضلاً عن كلفة التخلص من هذه المواد لاحقاً.
- تُلقي حماية القوات والمعدات والأسلحة والتجهيزات العسكرية بعبء كبير على القوات التي تستخدمها كما أنها تحتاج لتدريبات فنية وإرشاد مستمر والصراع بين تطوير الغازات وتطوير معدات الوقاية كالصراع بين الدبابة وأسلحة مقاومة الدبابات.
في الحالة السودانية وقد كنت شاهداً عليها من خلال 33 سنة خدمة بالقوات المسلحة أكاد أجزم بأن هذه الأسباب الثلاث تنطبق تماماً على الحالة السودانية وأضيف إليها ما يلي: - لا تدرّب القوات المسلحة السودانية ضباطها وأفرادها لا داخياً ولا خارجياً على كيفية استخدام الأسلحة الكيماوية لا تدريباً نظرياً ولا عملياً وهو ما يثبت عدم اهتمام قيادة القوات المسلحة بهذا الأمر فهو خارج (دائرة التأهيل) ما يؤكد خلو مخازن ومستودعات القوات المسلحة من كل هذه الغازات.
- في ذات الإطار التدريبي تعتمد القوات المسلحة التدريب على (الإجراءات الوقائية) أو إجراءات (ما بعد الضربة) وهو تدريب أشبه ما يكون بكورسات (الإسعافات الأولية) التي ربما لا تقدم شيئاً خلاف أنها تؤخر الموت بضعة ساعات في حالات الأسلحة الكيماوية.
- الحرب الحالية التي تخوضها القوات المسلحة ضد مليشيا الجنجويد وحلفائهم ومناصريهم حرب (غير نظامية) تتسم بالحركة السريعة والانتقال عبر المسارح وميادين القتال وتبادل السيطرة فضلاً عن وجود المدنيين في مناطق النزاع وبالتالي تصعب مسألة استخدام الأسلحة الكيماوية لتكون أشبه بخيار (مستحيل).
- الالتزام الدولي وسهولة التحقّق أكبر عاصم للدولة السودانية والقوات المسلحة من استخدام السلاح الكيماوي فهي قوات محترفة (رغم أنوفهم) تحترم مبادئ القانون الدولي ولا يمكن أن تخرق ما وقعت عليه الحكومة السودانية.. لا سيما في ظل هذا العالم الصغير والذي لا يعجزه إثبات استخدام غازات كيماوية بمختلف السبل والوسائل في ظل وجود منظمة قوية وفاعلة كمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية.
أخيراً ظل سلاح الكيمياء في القوات المسلحة السلاح الوحيد دون تطوير كبير وملحوظ في مجال الاستخدامات (العدائية الإيجابية) للأسلحة الكيماوية فمنذ إنشائه ظل في ذات موقعه (ومحطته).. تمتلئ مستودعاته بعلب (التطهير الفردية) والأقنعة الواقية من (الجيل الأول) التي لم تعد تقي من الغازات المحورة والمطورة والمستحدثة ويقدّم الإرشاد للأفراد كيف (يقاومون) استخدام العدو للغازات الكيماوية.. عليه فليكف هؤلاء الجنجويد وكفيلهم وحلفائهم القحاطة عن (النعيق والنباح) بما لا يفقهون شيئاً عنه وهم يدمغون القوات المسلحة بالكذب والافتراء والتي يبدو أن ضربها أصبح موجعاً ومبرحاً يحتاجون لمن (يخففه) عنهم علهم يلتقطون أنفاساً (للتفاوض).
أخيراً جداً: هناك ثلاث دول غير موقعة على اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية هي جمهورية مصر العربية وجنوب السودان وكوريا الشمالية.
