الصادق محمد احمد
منذ أن أطلق الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه صرخته الشهيرة محذراً من إنفلات عقال العقل البشري، لم يمر على كوكب الأرض زمن تداخل فيه اللامعقول بالواقع، والملهاة بالمأساة كما يحدث في أيامنا هذه، إننا نعيش حقبة (السنين الغبراء)، حيث غدا الجنون هو الحكمة الوحيدة المعتمدة، وأصبحت العبثية هي المسطرة التي تُقاس بها حركات التاريخ وسكنات المجتمعات. وحين تتأمل مشهد هذا العالم من أعلى الهرم السياسي إلى قاع الهامش الافتراضي لا تملك إلا أن تحبس أنفاسك عجباً من كوكب قرر طواعيةً أن يخلع رداء المنطق وينخرط في (زار) كوني لا ينتهي.تبدأ تجليات هذا الجنون من أروقة صناعة القرار العالمي، حيث تمارس القوى العظمى (بلطجة) عسكرية وسياسية تفتقر لأبسط قواعد الرشد، تأمل مثلاً ما جرى في التصعيد الذي قاده دونالد ترامب ضد إيران ،إذ دقت طبول الحرب واهتزت عروش الإقتصاد العالمي تحت شعار (تأمين وحرية الملاحة في مضيق هرمز)، والمفارقة الساخرة التي تدمي جبين المنطق هي أن المضيق كان مفتوحاً وتمخر عبابه السفن بانتظام قبل الحرب!!! اندلعت المعركة بلا أهداف واقعية، وانتهت بإتفاق أهداه المحللون السياسيون لقب (العبث المطلق)، إذ خرجت إيران من المعركة بمكاسب لم تكن تحلم بها في أوج سلامها، فرُفع التجميد عن أرصدتها المليارية المحتجزة، وفُكَ الحصار عن صادراتها النفطية، ليعود المضيق مفتوحاً كما كان، ولكن بعد أن دفع العالم فاتورة جنون مؤقت أثبت أن الحروب الحديثة لم تعد تُخاض للانتصار، بل لشرعنة الامتيازات ، وقبلها لم يكن مشهد إعتقال الرئيس الفنزويلي وإخضاعه لمعادلات الابتزاز السياسي الدولي إلا فصلاً آخر من فصول غابة الموز العالمية، حيث تغيب الشرعية الدولية وتحل محلها بلطجة الأقوياء المحسوبة بدقة.وإذا نزلت بالعدسة من سماء السياسة المجنونة إلى أرض الحياة الاجتماعية، فستجد أن الجنون قد ضرب أطنابه في الوعي الجمعي عبر بوابات الهواتف الذكية، لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى (سوق عكاظ) حديث، الفرق هو أنه لا يعرض شعراً ولا أدباً، بل يعرض الإبتذال والتعري الأخلاقي في بث مباشر مقبوض الثمن سلفاً بـ(اللايكات) والدولارات الرقمية . إن ما تشهده هذه المنصات من جنون النساء والفتيات في سبيل الكسب السريع وتحقيق (التريند) يمثل انتكاسة فطرية وأخلاقية غير مسبوقة ،حيث تحول السفور والمجون والخلاعة من خطيئة تُستتر إلى استثمار يُفتخر به، وتُعرض الأجساد وتبتذل الكرامة الإنسانية في حركات راقصة ومحتويات تافهة تخاطب أحط الغرائز البشرية ، نساء خلعن برقع الحياء غناءاً وسفوراً وخلاعة، بلا حسيب ولا رقيب، في عملية (تسليع كاملة للمرأة) تتم بأيدي النساء أنفسهن تحت وهم الحرية الشخصية والتمكين المالي.إن الجناية الكبرى في هذه السنين الغبراء لا تقف عند حدود التهتك البصري بل تتعداها إلى فوضى مفاهيمية مرعبة، حيث أُسيء استغلال شعارات (الحرية الشخصية) و (الاستقلال الأنثوي) ليتم مسخها وتحويلها إلى صكوك غفران لإقامة علاقات غير مشروعة، وشرعنة الخيانة الزوجية، لقد تحولت الحرية في وعي الكثير من المغيبات من قيمة إنسانية تعني المسؤولية والكرامة إلى وساطة مبتذلة تبرر الحديث مع الأجانب، وملاحقة الخطيئة والتحلل من الإلتزامات الأخلاقية والأسرية، إننا أمام عقلية جمعية مشوهة ترى في التمرد على الحياء قمة العصرنة، وفي هدم قدسية الميثاق الغليظ دليلاً على التحرر مما جعل الأعراض معروضة في مزادات بلا ثمن.هذا الجنون الافتراضي لم يقف خلف الشاشات، بل تسلل كسُمٍّ زعاف إلى عمق الأسر وهدم أركان البيوت الآمنة، فكم من بيت عُمِّر لسنوات تداعى في لحظة لأن ربة المنزل أدمنت الثناء الزائف من رجال أجانب وكم من طلاق استوجبته غيرة مشروعة هُتكت تفاصيلها على العلن ، لقد أفرزت هذه المنصات شبكة من العلاقات غير السوية فأصبحت الخيانة تُمارَس علانية على مرأى ومسمع من آلاف المتابعين ،مما أدى إلى ارتفاع مخيف في نسب الطلاق، وتشتت الأطفال وانهيار المفهوم التقليدي للأسرة باعتبارها حصن المجتمع الحصين. وليس عامة الناس بأقل جنوناً من نخبهم الفنية، إذ تحولت حسابات الفنانين والمشاهير إلى حلبات مصارعة طينية تُنشر عليها الفضائح، وتُصفى عبرها الحسابات الشخصية، وتُعرض فيها تفاصيل الحياة الخاصة والخلافات كأنه عرض مسرحي رخيص. لقد غاب الوقار وحل محله عُري العلاقات، فالكل بات يبحث عن البقاء لثوانٍ إضافية تحت الأضواء، حتى لو كان الثمن التضحية بالسمعة والشرف العائلي.إن الرابط الخفي بين رئيس يشن حرباً ليعيد فتح مضيقٍ مفتوح، وبين امرأة تبيع حياءها على (تيك توك) من أجل (أسد رقمي) أو بضعة دولارات هو غياب المعيار الأخلاقي وسقوط المرجعية العقلية ،إننا نعيش في عالم أصبح فيه التافهون هم قادة الرأي، والمجانين هم صناع القرار، والإبتذال هو السلعة الأكثر رواجاً ومبيعاً في الأسواق، إن هذه (السنين الغبراء) تفرض على العقلاء وأصحاب الأقلام الحرة والمؤسسات التربوية والمجتمعية أن يقفوا حائط صد منيع للحفاظ على ما تبقى من إنسانيتنا،و لا يتحقق ذلك بمجاراة الموجة بل بالانكفاء نحو الأصالة، والمنطق العقلي، وإعادة الاعتبار لقيم الحياء والرصانة العائلية و العادات والتقاليد الأصيلة التي تراعي كرامة الإنسان ، إن الحرب الحقيقية اليوم ليست في مضيق هرمز ولا في أروقة الأمم المتحدة ،بل هي حرب الضمير الإنساني ضد الإبتذال، وحرب العقل ضد هذا الجنون المطبق.. فهل من مدّكر؟
