لندن : اخبار السودان
اتهم المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية في كلية الصحة العامة بجامعة ييل، ناثانييل ريموند، الحكومة البريطانية بالفشل في اتخاذ إجراءات حاسمة لمنع ما وصفه بخطر الإبادة الجماعية والفظائع الجماعية في مدينة الفاشر ومعسكر زمزم للنازحين، رغم امتلاكها معلومات استخباراتية وأدلة ميدانية وصور أقمار صناعية كانت تشير إلى الخطر الوشيك.
وخلال شهادته أمام لجنة التنمية الدولية في البرلمان البريطاني، قال ريموند إن لندن كانت تتلقى تحذيرات وأدلة في الوقت الفعلي بشأن التطورات في دارفور، إلا أن اعتبارات سياسية مرتبطة بالعلاقات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة حدّت من قدرة الحكومة البريطانية على اتخاذ مواقف أكثر صرامة.
وأوضح أن فريق منع الفظائع داخل وزارة الخارجية البريطانية ضم مسؤولين حاولوا القيام بدورهم “بشرف وفي بعض الحالات ببطولة”، إلا أن القيود السياسية جعلت أدواتهم محدودة التأثير، مؤكداً أن المشكلة كانت على مستوى صناع القرار السياسي وليس موظفي الخدمة المدنية.
وأشار إلى أن الحكومة البريطانية كانت تملك معلومات استخباراتية تؤكد وجود خطر وشيك على المدنيين في الفاشر وزمزم، لكنها اكتفت بإصدار بيانات عامة تدعو إلى وقف القتال والسماح بدخول المساعدات، دون التحذير صراحة من احتمالات وقوع جرائم واسعة النطاق.
وقال ريموند إن وزير الخارجية البريطاني آنذاك، David Lammy، كان يستضيف مؤتمراً دولياً بشأن السودان في لندن في الوقت الذي كان فيه معسكر زمزم يتعرض للهجوم والحرق، فيما كانت تتواتر التقارير عن انتهاكات خطيرة بحق المدنيين.
واتهم ريموند الإمارات بلعب دور محوري في دعم قوات الدعم السريع، قائلاً إن الطائرات المسيّرة المتطورة وأنظمة المدفعية والحرب الإلكترونية والقيادة والسيطرة، إضافة إلى المرتزقة الذين مكّنوا القوات من التقدم نحو الفاشر، كانت تأتي مباشرة من الإمارات، مضيفاً أن المسؤولين البريطانيين كانوا على علم بهذا الدور لكنهم لم يسعوا إلى مواجهته بصورة مباشرة.
كما تطرق إلى قرار مجلس الأمن رقم 2736 الخاص بالفاشر، مشيراً إلى أن بريطانيا قادت جهود تمريره باعتبارها “حاملة القلم” في ملف السودان داخل المجلس، إلا أن القرار فقد كثيراً من فعاليته بسبب غياب الإرادة السياسية اللازمة لإنفاذه.
وكشف أن فريقه تلقى معلومات من مصدر سري تفيد بوجود اتصالات مباشرة من الإمارات إلى قيادة قوات الدعم السريع عقب صدور القرار، تطلب منها وقف الهجوم مؤقتاً. وأضاف أن صور الأقمار الصناعية أظهرت توقف تحركات القوات بصورة مفاجئة في الفترة نفسها، ما أتاح لعشرات الآلاف من المدنيين الفرار من المدينة.
وشبّه تلك اللحظة بـ”آخر نافذة للنجاة” خلال حصار طويل، مؤكداً أن الهجوم استؤنف لاحقاً بعدما تبين أن القرار الأممي لن يترتب عليه أي ضغط فعلي على الأطراف الداعمة أو المنخرطة في النزاع.
وفي جزء آخر من شهادته، كشف ريموند عن معلومات استخباراتية وبيانات هواتف قال إنها أظهرت تحركات لعناصر مرتبطة بقوات الدعم السريع عبر مدينة بوصاصو الصومالية والعاصمة الإثيوبية أديس أبابا وصولاً إلى أبوظبي.
وأوضح أن أحد الهواتف انتقل من أديس أبابا إلى أبوظبي خلال أربع ساعات في وقت لم تكن فيه أي رحلات تجارية معلنة بين المدينتين، معتبراً أن ذلك يرجح استخدام طائرة عسكرية أغلقت أجهزة التتبع الخاصة بها لنقل أشخاص كانوا يعملون في مواقع عمليات متقدمة تابعة لقوات الدعم السريع في نيالا وزالنجي.
وأضاف أن الهواتف نفسها ظهرت لاحقاً في مواقع شركات قال إنها مرتبطة بعبد الرحيم دقلو وتعمل في مجالات التعدين والاستيراد والتصدير داخل الإمارات.
وقال ريموند إنه شارك هذه المعلومات خلال اجتماع عقد بمقر وزارة الخارجية البريطانية في مايو 2024، لافتاً إلى أن بعض المسؤولين سألوه عما إذا كان ينوي نشر تلك المعلومات للرأي العام.
وذكر أن مسؤولين داخل الوزارة طلبوا من مختبر ييل توفير أدلة منشورة ومستقلة تربط الإمارات مباشرة بالدعم السريع، حتى تتمكن الحكومة البريطانية من الاستناد إليها سياسياً في مواجهة الضغوط التي قد تنتج عن توجيه اتهامات مباشرة لأبوظبي.
وأوضح أنه رفض نشر بيانات الهواتف حفاظاً على مصادر معلومات استخباراتية وصفها بالحيوية، واختار بدلاً من ذلك نشر أدلة تتعلق بمنظومات أسلحة تتطابق مع أنظمة معروفة في الترسانة الإماراتية.
وشدد ريموند على أن المسؤولية عن الإخفاق في منع الفظائع الجماعية تقع على القيادة السياسية، محذراً من تحميل موظفي الخدمة المدنية أو فرق منع الفظائع داخل الوزارة مسؤولية قرارات اتخذت في مستويات أعلى.
واختتم شهادته بالتأكيد على أن المساءلة الدولية كان يمكن أن تلعب دوراً مؤثراً في الحد من الانتهاكات، معتبراً أن غياب الضغوط السياسية والاقتصادية المباشرة على الإمارات أسهم في تقويض الجهود الرامية إلى حماية المدنيين في الفاشر ومحيطها.
