أسطوانة “المحفظة الاستراتيجية” (2/2)

فيما أرى

عادل الباز

أسطوانة “المحفظة الاستراتيجية” (2/2)

1

نتائج المحفظة: تقييم تجربة 2024

في الحلقة الأولى من هذا المقال، رأينا النتائج الكارثية التي حصدناها من تجربة المحفظة الأولى بعد التغيير، وبشهادة رئيسها السيد عبد اللطيف عثمان. في هذا المقال سنرى ما أدت إليه محفظة 2024، ولنبدأ.

2

في بداية أغسطس 2024، أعلن الأستاذ برعي الصديق، محافظ بنك السودان المركزي السابق، أن محفظةً جديدةً سوف تبدأ نشاطها قبل نهاية الشهر، برأس مال مليار دولار أمريكي، يساهم فيه بنك السودان المركزي بمبلغ 250 مليون دولار، بينما يساهم بنك الخرطوم بمبلغ 750 مليون دولار، أي ما يعادل 75% من رأس مال المحفظة.

استطاعت المحفظة في فترة وجيزة توفيرَ مشتقات الوقود (غاز، بنزين، فيرنس) بقيمة وصلت إلى 876 مليون دولار حتى يوليو 2025. وقد نُفِّذت عمليات الاستيراد عبر 17 شركة مختلفة، بينما استحوذت خمس شركات فقط على نحو 59% من إجمالي قيمة الاستيراد المنفَّذ عبر المحفظة، أي بنسبة استخدام أقل من رأس مال المحفظة.

ولكن في الوقت ذاته تسبَّبت في بلايا؛ أهمها أنها سمحت لبنك الخرطوم بالسيطرة الكاملة على عمليات المحفظة، وهو البنك الذي يسيطر أصلاً على أكثر من 80% من الكتلة النقدية بالبلاد آنذاك، وبالتالي دانت له سيطرة مطلقة على حصائل الذهب، ومن ثَمَّ التحكمُ في سوق النقد الأجنبي.

وقد أسهمت المحفظة عملياً في تهميش سائر البنوك في تمويل تجارة الوقود، وبالتالي توقَّفت العائدات التي كانت تحصدها، فزادت أحوالها المتدهورة ضِغثاً على إبالة، بقتل روح المنافسة في تمويل الواردات.

3

معضلة السيطرة: البنك الواحد ورهن القرار

ما يُحيِّرني: كيف لدولة -بسبب إجراء اقتصادي محدود وآلية محدودة- أن تُمكِّن بنكاً واحداً من السيطرة على أكثر من 80% من الكتلة النقدية، ثم تُمكِّنه من السيطرة على أهم محفظة بنسبة 75% في ملف خطير يتعلق بأمن الطاقة في البلاد كلها؟

من عمليات هذه المحفظة وحدها حصل البنك المحظوظ على 21.9 مليون دولار أمريكي عمولةً (2.5%) من مبلغ 876 مليون دولار، علماً بأن بنك الخرطوم بدأ برأس مال 100 مليون دولار، وارتفع رأس ماله عام 2007 بعد دمجه مع بنك الإمارات إلى نحو 200 مليون دولار، أي أن البنك حصد ما يعادل نحو 11% من رأس ماله!.

باختصار: بنك واحد يسيطر على الكتلة النقدية الأكبر، ثم هو نفسه يسيطر على حصائل عائدات الذهب بشراء حصائل الصادر لأنه صاحب الكتلة النقدية الأكبر، وأخيراً هو ذاته مدير عمليات استيراد السلع الاستراتيجية. أذكر أنني أدرت حواراً طويلاً مع السيد محافظ البنك السابق الأستاذ برعي حول هذا الموضوع، ولكننا لم نصل إلى نتيجة، وكانت حجته أن البلد لا تملك خيارات كثيرة.

4

فشل ضبط سعر الصرف

بعد كل ما بُذل من جهود في تأسيس المحفظة ورهنها لبنك واحد، فشلت المحفظة في هدفها الأسمى: ضبط سعر الصرف. إذ قفز سعر الدولار في السوق الموازي من نحو 2,600 جنيه في أغسطس 2024 إلى ما بين 4,000 في أغسطس 2025.

وخلال عام 2024 ارتفع سعر الدولار في السوق الموازي بالسودان من نحو 1,200 جنيه في بداية عام إلى ما يقارب 4,000 جنيه بنهاية العام، في واحدة من أسرع موجات تدهور العملة في تاريخ البلاد (راجع مؤسسات الرصد الاقتصادي السودانية، كلها متاحة على الإنترنت). وبالنظر إلى هذه الأوضاع التي قادت إليها المحفظة، كيف تكون قد أسهمت في استقرار سعر الصرف؟

ولكن لماذا لم تحقق المحفظة هذا الهدف؟

ببساطة، لأن الاقتصاد لا يعمل بآلية واحدة في بيئة معزولة؛ إذ تتفاعل عوامل شتى لتثبيت سعر الصرف، من تكامل الأدوار والتنسيق المؤسسي بين مختلف القطاعات. وللتوضيح أكثر، لا بد من النظر في توزيع المسؤوليات بين المؤسسات المعنية.

5

يعتقد كثيرون أن بنك السودان المركزي هو المسؤول عن استقرار سعر الصرف؛ صحيح، هو مسؤول عن وضع السياسات النقدية لضمان استقرار سعر الصرف، ولكن سياسات الاقتصاد الكلي والمؤسسات الأخرى الفاعلة لا يسيطر عليها بنك السودان.

فمثلاً، إذا كان سعر 4 بواخر مشتقات بترولية في الشهر 140 مليون دولار، فبوسع بنك السودان توفير هذا المبلغ من عائدات حصائل الصادر. ولكن إذا قررت وزارة الطاقة فجأةً منح إذن استيراد لـ15 باخرة في الشهر، فسيضغط ذلك على السوق الموازي؛ لأن الشركات التي بيدها تصاديق — أي أذونات الاستيراد الرسمية — والتي ترابط بواخرها في الميناء خشية الغرامات (Demurrage)، ستلجأ إلى الهجوم على السوق الموازي لشراء الدولار، وهذه الهجمة ستقود مباشرةً إلى ارتفاع أسعار الدولار؛ لأن تلك الشركات (الفالصو التي تتحد في مجموعات وهمية) لا تملك رساميل كبيرة أو خطوط تمويل خارجية، وهي تقترض من سماسرة متلهفين على العوائد السريعة، ولذا يهجمون جميعاً في وقت واحد على الدولار، ويحدث ما يحدث في كل حين. فلا يمكن لبنك السودان طرح عملات صعبة تغطي أسعار 15 باخرة، ولذا يصعد الدولار مباشرة. وهذه القفزة في سعر الدولار لم تحدث بسبب سياسات بنك السودان، إنما بسبب طريقة عمل وزارة الطاقة والنفط.

والصحيح ألا تمنح وزارة الطاقة تصاديق لشركات تستورد وقوداً أكثر من حاجة البلاد في الشهر، حتى لا يتأثر سوق الدولار الشحيح. ولذلك، فإن العمل المؤسساتي المتكامل هو ما يمكِّن بنك السودان من السيطرة على أسعار الدولار ووضع سياسات نقدية سليمة تمكِّنه من ضبط سعر الصرف. ومن الضروري وضع ضوابط صارمة للكفاءة المالية والملاءة للشركات المتقدمة للحصول على أذونات الاستيراد، كشرط أساسي لضبط إيقاع السوق ومنع الفوضى التي تقود إلى كوارث اقتصادية.

6

الدرس المستفاد: نحو رؤية اقتصادية مستدامة

خلاصة القول: إن المحافظ ليست بديلاً عن إصلاح شامل للاقتصاد، وأن استقرار سعر الصرف هو نتاج توازن كلي لا يتحقق إلا بتناغم مؤسسات الدولة وتنافسية عادلة تخدم المواطن لا السماسرة ومافيا الوقود. وما لم تتكامل السياسات النقدية مع السياسات القطاعية في إطار رؤية اقتصادية واضحة، فإن أي محفظة مهما بلغ رأس مالها ستظل علاجاً مؤقتاً لداء مزمن.