ملف المحروقات الذي قد يحرق حكومة الامل


كلام صريح
سمية سيد

   في اقل من اسبوع تحركت سياسات استيراد المواد البترولية من التحرير إلى الاحتكار إلى التحرير  .

على خلفية قرار الحكومة باحتكارها استيراد المواد البترولية الذي صدر يوم الجمعة كتبت الحلقة الاولى من مقالي بعنوان ( الخيارات والتحديات التي تواجه قرار الحكومة باستيراد الوقود) وانا ادفع بالحلقة الثانية حول الكيفية التي ستوفر بها الدولة الموارد اللازمة للتمويل مع ضغط سوق النقد الاجنبي إذا بالحكومة تغير رايها امس الاحد اي بعد اقل من ٧٢ ساعة بمنشور اصدره البنك المركزي بتوجيه وزارة الطاقة بعدم بإصدار شهادة عدم ممانعة لاي شركة ترغب في استيراد المواد البترولية إلا بعد ورود افادة رسمية من مصفاة الذهب تفيد بإيداع الشركة ضمان عيني مقداره (٢٠٠) كيلو ذهب .
وبغض النظر عن ما إذا كان هذا القرار هو الأفضل من اي خيارات اخرى ام لا فان تعدد القرارات في قطاع مهم يستحوذ على اكثر من ٤٠٪؜ من من موارد النقد الاجنبي للاستيراد وبما يعكسه سلبا على مجمل الأوضاع يعد تخبطا في غاية الخطورة .

    هذا التخبط وبهذه السرعة اكد على التقاطعات الكبيرة بين متخذي القرار في الدولة .. قرار الجمعة صدر من مجلس الوزراء وبكامل هيئته التي تضم كل وزراء القطاع الاقتصادي.. قرار الاحد صدر بتوقيع امنة مرغني محافظ البنك المركزي . وقبل القرارين كان هنالك اتجاه بإمساك  عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر بملف استيراد المواد البترولية وقد عقد بالفعل اجتماع مع وزيري المالية والطاقة ومحافظ البنك المركزي وعدد من الجهات ذات الصلة .

المواد البترولية ليست بنزين لمحركات العربات الفارهة يدفع قيمته الأغنياء بلا تردد ، ولا لعربات المسئولين حيث يأتيهم مجانا ، وانما يمثل سلعة أساسية تمس الفقراء في رغيف الخبز وقفة الملاح ودواء الملاريا والضنك .

هذا الملف الذي غلب الحكومة يتطلب قدرا عاليا من الحذر والوعي بطبيعة المرحلة التي تمر بها بلادنا ، فهو ليست مجرد ملف اقتصادي او تجاري يمكن التعامل معه بمعزل عن بقية الملفات اليومية لمعاش المواطن ولقضايا الانتاج ، ولعلاقته المباشرة بالاستقرار الامني والاجتماعي .
لذلك الحكومة مطالبة باتخاذ القرارات المدروسة بعناية من قبل الخبراء والمختصين ثم تقييم التجربة بعد التنفيذ وليست اصدار قرارات وتعديلها في ظرف ساعات . لذلك كان من الأوفق تقييم التجارب السابقة بصورة موضوعية بما فيها تجربة محفظة السلع الأساسية والوقوف على السلبيات والإيجابيات ومواضع الخلل والعمل على معالجتها .

   تحدثت مع احد الخبراء المصرفيين حول جوهر قرار الاحد الخاص بإيداع شركات الاستيراد ذهب ( حي ) لدى مصفاة الذهب فقال لي يبدو ان القرار تم اتخاذه لتجنب العودة إلى خيار تكوين محفظة جديدة لاستيراد الوقود . لكن كان الأجدر ان يترك البنك المركزي مهمة استيراد الوقود للبنوك التجارية . باعتبار انه نشاطا تجاريا وان المستوردين هم عملاء البنوك التجارية وليسوا عملاء مباشرين للبنك المركزي ، وكان بإمكان البنك المركزي ان يوجه البنوك التجارية ان تكون محفظة تمويل من مواردها الذاتية او ان يتولى هو بنفسه مهمة شراء الذهب وتصديره ثم يتيح حصائل النقد الاجنبي للبنوك التجارية لتستخدمها في تمويل عملائها من مستوردي الوقود وغيرهم من مستوردي السلع الاستراتيجية .

وقال محدثي ان الآلية الحالية فستدفع مستوردي الوقود إلى الدخول المباشر في سوق الذهب وشراء المعادن بأسعار تفوق الاسعار العالمية ثم تعوض هذه التكلفة من خلال هوامش أرباحهم عند بيع الوقودللمستهلك .واضاف قائلا .. من الطبيعي ان يؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط على سوق النقد الاجنبي ، اذ غالبا ما يتحرك سعر الدولار صعودا مع ارتفاع الطلب على الذهب ، فضلا عن مزاحمة مصدري الذهب الآخرين الذين يعتمدون على حصائل الصادر لتمويل استيراد سلع اخرى الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع حصائل الصادر المتاحة او ارتفاع تكلفتها ، وبالتالي انعكاس ذلك على أسعار السلع في السوق المحلية.

اثر الترتيبات الجديدة لا يقتصر على القطاع الخاص فحسب بل يمتد أيضا إلى البنك المركزي نفسه الذي يجد نفسه مزاحما في سوق الذهب الذي يفترض ان يعتمد عليه في بناء احتياطاته من النقد الاجنبي وتعزيز استقرار الاقتصاد الكلي.

   من الملاحظات التي ذكرها لي خبير اقتصادي تحدثت ايضا معه حول القرار ان هذه الآلية تبدو مصممة بصورة تمنح افضلية لشركات محددة دون غيرها ، اذ ان كثيرا من الشركات العاملة في مجال الوقود لا تمتلك القدرة المالية اللازمة لشراء كميات ضخمة من الذهب قد تصل إلى مئات الكيلوغرامات ، الأمر الذي يحد من قدرتها على المنافسة ويؤدي إلى تركيز النشاط في أيدي عدد محدود من الشركات وخلق احتكار مضر بالعمل الاقتصادي. 

والأكثر إثارة للقلق ان نفوذ مجموعات المصالح المرتبطة بقطاع الوقود لم يعد مقتصرا على التأثير في قرارات وزارة الطاقة بل امتد بحسب ما توحي به السياسات الجديدة إلى استنزاف موارد البنك المركزي وتوجيهها لخدمة صفقات تجارية خاصة ، بما يحول المؤسسة النقدية من جهة رقابية وحامية للاستقرار الاقتصادي إلى ممولة لأنشطة يفترض ان تتحمل تمويلها ومخاطرها الجهات التجارية المستفيدة منها
المهم ان تمنح التجربة الوقت الكافي للتقييم والقياس بعيدا عن التخبط والقرارات السريعة المرتجلة التي فرضها مجموعات الضغط

    عن ( اخبار السودان)