بين الصواريخ والوساطات: من يملك زمام المبادرة في الشرق الأوسط!؟
السفير.د.معاوية البخاري
مقدمة: المنطقة بين نار التصعيد وأمل التسوية
في الوقت الذي تتبادل فيه الأطراف الإقليمية والدولية الضربات العسكرية عبر مساحات جغرافية واسعة تمتد من إيران إلى الخليج فلبنان والبحر الأحمر، تبدو المنطقة وكأنها تقف على حافة مرحلة جديدة من الصراع، تختلط فيها الحسابات العسكرية بالأهداف السياسية والاستراتيجية. وبينما تتحدث بعض الأطراف عن عمليات دفاعية وردعية، يرى آخرون أن ما يجري ليس سوى محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى وفرض وقائع جديدة على طاولة التفاوض.
وسط هذا المشهد المتوتر، تتراجع فرص الوساطة خطوة إلى الخلف كلما ارتفع منسوب التصعيد، بينما يبقى الاتفاق المنتظر حبيس الحسابات المتعارضة والنيران المتبادلة.
جغرافيا النار… اتساع مسرح العمليات من الخليج إلى المتوسط
لم تعد المواجهة محصورة بين إيران وإسرائيل فحسب، بل أصبحت شبكة مترابطة من الجبهات المتداخلة. فإلى جانب الضربات المتبادلة بين تل أبيب وطهران، برزت استهدافات للمصالح الأمريكية في المنطقة علي خلفية سقوط الأباتشي ، وتهديدات للملاحة الدولية، وتصعيد مستمر على الساحة اللبنانية، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بالبحر الأحمر ومضيق هرمز.
هذا الاتساع الجغرافي يعكس حقيقة أن الصراع تجاوز حدود المواجهة الثنائية، وأصبح صراعاً على النفوذ الإقليمي وموازين الردع ومستقبل النظام الأمني في الشرق الأوسط. وكأن الاطرف الثلاثة اخذت وقتها لالتقاط الأنفاس واستكمال تجهيزات ميدانية لضرب أهداف عسكرية محددة حتى تحمل طهران لتقديم تنازلات مهمة.
الضربات العسكرية وأهدافها السياسية الخفية
عادة ما تُقاس الحروب بنتائجها العسكرية، لكن ما يجري اليوم يبدو أقرب إلى توظيف القوة العسكرية لتحقيق أهداف سياسية. فالقصف المتبادل لا يستهدف فقط إلحاق الخسائر بالخصم، وإنما يسعى إلى التأثير في قراراته الاستراتيجية وإعادة صياغة حساباته.
ومن هنا يمكن فهم استمرار الضربات رغم بقاء قنوات الاتصال والوساطة مفتوحة، إذ تحولت القوة العسكرية إلى وسيلة ضغط تفاوضية أكثر من كونها أداة للحسم النهائي. تريد من خلالها امريكا لحمل ايران على توقيع الاتفاق كما تراه واشنطون.
هل تسعى واشنطن وتل أبيب إلى انتزاع زمام المبادرة من إيران؟
تبدو الولايات المتحدة وإسرائيل مقتنعتين بأن المرحلة الحالية تمثل فرصة لإضعاف قدرة إيران على فرض إيقاع الأحداث في المنطقة. فمنذ سنوات نجحت طهران في بناء شبكة نفوذ إقليمي من خلال حلفائها وشركائها في عدة ساحات، الأمر الذي منحها قدرة كبيرة على المناورة والردع.
لكن الضربات الأخيرة تحمل رسالة مختلفة مفادها أن المبادرة يجب أن تنتقل إلى الطرف المقابل، وأن إيران مطالبة بالتعامل مع واقع جديد تصبح فيه تكلفة المواجهة أعلى من تكلفة التسوية.
وفي هذا السياق، لا يبدو أن الهدف المباشر هو إسقاط النظام الإيراني أو خوض حرب شاملة، بقدر ما هو إجباره على التفاوض من موقع أكثر ضعفاً وأقل قدرة على فرض الشروط.
استراتيجية طهران… الردع أم كسر العزلة؟
في المقابل، تدرك إيران أن التراجع أمام الضغوط العسكرية قد يضعف صورتها الإقليمية ويؤثر على شبكة تحالفاتها. لذلك تسعى إلى إثبات قدرتها على الرد وإبقاء خصومها تحت ضغط دائم.
الرسائل الإيرانية المتعلقة بأمن الخليج والممرات البحرية، إضافة إلى التحركات المتصلة بالساحات الإقليمية المختلفة، تعكس محاولة للحفاظ على معادلة الردع ومنع خصومها من إعلان انتصار سياسي أو استراتيجي مبكر.
وبذلك تتحول المواجهة إلى صراع نفوذ و إرادات بقدر ما هي صراع قدرات عسكرية.
لبنان مجدداً في قلب المواجهة الإقليمية
كما حدث في محطات سابقة من تاريخ المنطقة، عاد لبنان ليكون إحدى أكثر الساحات تأثراً بالتجاذبات الإقليمية. فالضربات الإسرائيلية على بيروت ومحيطها لا تنفصل عن الصراع الأوسع مع إيران، كما أن أي تصعيد لبناني يمكن أن ينعكس مباشرة على مسار المواجهة الإقليمية.
وتحاول إسرائيل من خلال هذه العمليات توجيه رسائل تتجاوز حدود الساحة اللبنانية، بينما ترى طهران وحلفاؤها أن الحفاظ على هذه الجبهة جزء من معادلة الردع الشاملة.
مضيق هرمز والبحر الأحمر… أوراق الضغط الاستراتيجية
تبقى الممرات البحرية أحد أهم عناصر القوة في هذه الأزمة. فمضيق هرمز يمثل شرياناً حيوياً لتدفقات الطاقة العالمية، بينما يشكل البحر الأحمر وباب المندب ممرين استراتيجيين للتجارة الدولية.
ولذلك فإن مجرد التلويح بتهديد هذه الممرات كفيل بإثارة قلق الأسواق العالمية ورفع مستوى الضغوط الدولية من أجل احتواء التصعيد.
ومن هنا تكتسب الجغرافيا أهمية لا تقل عن أهمية الصواريخ والطائرات في رسم مسار الأزمة.
لماذا تتعثر جهود الوساطة؟
رغم تعدد المبادرات والاتصالات الدبلوماسية، فإن فرص التوصل إلى اتفاق ما تزال محدودة بسبب الفجوة الواسعة بين أهداف الأطراف المختلفة.
فواشنطن وتل أبيب تريدان اتفاقاً يحد من النفوذ الإيراني ويقيد قدراته المستقبلية، بينما تسعى طهران إلى ضمان أمنها ومصالحها الاستراتيجية والحفاظ على مكانتها الإقليمية.
وفي ظل هذه التناقضات، تتحول الوساطة إلى عملية شاقة تحاول اللحاق بإيقاع الأحداث الميدانية المتسارعة.
بين الحرب الشاملة والحرب المحسوبة
حتى الآن، لا تبدو أي من الأطراف راغبة في الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة. فالولايات المتحدة تدرك كلفة المواجهة الواسعة، وإسرائيل تعلم أن حرباً طويلة قد تستنزف قدراتها، فيما تواجه إيران تحديات اقتصادية وعسكرية تجعل خيار الحرب الشاملة محفوفاً بالمخاطر.
لكن المشكلة تكمن في أن استمرار الضربات المتبادلة يزيد من احتمالات الخطأ في التقدير، وقد يؤدي حادث واحد أو عملية غير محسوبة إلى توسيع نطاق الصراع بصورة لا يرغب فيها أحد.
هل نحن أمام إعادة تشكيل للنظام الأمني في الشرق الأوسط؟
القراءة الأعمق لما يجري تشير إلى أن الصراع الحالي يتجاوز الملفات الآنية نحو معركة أكبر تتعلق بشكل النظام الإقليمي القادم.
فالمواجهة الدائرة اليوم تدور حول أسئلة جوهرية: من يمتلك النفوذ الأكبر؟ ومن يحدد قواعد الردع؟ ومن يرسم حدود الأدوار الإقليمية في العقود القادمة؟
ولهذا تبدو العمليات العسكرية الحالية جزءاً من عملية إعادة تموضع استراتيجية تسعى من خلالها القوى المختلفة إلى تحسين مواقعها قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية كبرى.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
يمكن تلخيص الاحتمالات الرئيسية في أربعة سيناريوهات:
• التوصل إلى تسوية قسرية تفرضها الضغوط العسكرية المتبادلة.
• استمرار حالة الاستنزاف المتبادل دون حسم واضح.
• توسع المواجهة إلى حرب إقليمية أوسع نتيجة خطأ في الحسابات.
• العودة إلى طاولة المفاوضات وفق شروط وتوازنات جديدة تفرضها الوقائع الميدانية.
خاتمة: انتصار مؤجل أم تسوية مؤلمة؟
في نهاية المطاف، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو انتصار حاسم لأي طرف بقدر ما تتجه نحو محاولة فرض تسوية من موقع القوة. فالصواريخ الباليستية تتحرك في الميدان، لكن العيون ما تزال تتجه نحو طاولات التفاوض.
وإذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة تسعيان إلى انتزاع زمام المبادرة من إيران، فإن طهران بدورها تحاول إثبات أن قدرتها على التأثير لم تتراجع وأن أي تسوية لا يمكن أن تتجاوز مصالحها.
وبين هذين المسارين يبقى الشرق الأوسط معلقاً بين احتماليْن: تسوية مؤلمة تفرضها موازين القوى الجديدة، أو تصعيد أكبر قد يعيد رسم خرائط المنطقة بالنار قبل أن يرسمها السياسي على الورق.
————-
١١ يونيو ٢٠٢٦ م
