الأمين الشيخ … سيرة عطاء وأثرٌ باقٍ

بقلم : الواثق كمير
تورونتو، 30 مارس 2026

فُجِعتُ، كما فُجع كثيرون، بنبأ رحيل الصديق والأخ الأمين الشيخ مصطفى الأمين، إثر وعكةٍ لم تمهله طويلاً وهو في القاهرة (29 مارس الجاري). كان الخبر صادماً وموجعاً، إذ فقدنا رجلاً لم يكن عادياً في حضوره ولا في أثره، بل كان من أولئك الذين يتركون بصمتهم في القلوب قبل أن يتركوها في الواقع. فقد رحل رجل وبقي أثر!

تعرفت على الأمين في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي، وأنا حديث التخرج ومُعين مساعد للتدريس بكلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية في جامعة الخرطوم، رغم أنه كان يسبقني بعام. جمعني وعرفني به ابن عمتي وصديقنا المشترك الراحل د. عاطف صغيرون، ومنذ تلك الأيام بدأت صداقة امتدت لسنوات طويلة، لم تنقطع رغم تباعد المسافات.

ولا أنسى كيف كان الأمين وعاطف يصطحبانني إلى أماكن ترفيهية في الخرطوم لم تكن مألوفة لعامة الناس، بل حتى لقطاع واسع من الخرطوميين، إذ كانت ترتادها صفوة محدودة. فكنت أذهب معهما إلى كافتيريا النيل الأزرق، ونرتاد “صالة غوردون الموسيقية“Gordon Musical Hall (GMH)، حيث تعزف فرق الجاز، بما فيها فرق تجيء من أوروبا. كانت تلك التجربة، بالنسبة لنا، نافذة على عالم مختلف، أكثر انفتاحاً وتنوعاً، وكان الأمين جزءاً أصيلاً من تلك المرحلة، بذوقه الرفيع وحضوره الهادئ.

لكن علاقتي بالأمين لم تبدأ هناك فقط، بل تمتد جذورها إلى العلاقة الأسرية الممتدة بين آل الشيخ مصطفى وآل كمير، تلك العلاقة التي تشكّلت في الخرطوم، حيث وُلدت ونشأت وترعرعت، وأعرف الأمين ولو من بعد. كانت علاقة قائمة على الود والتواصل، مما أضفى على صداقتنا بعداً إنسانياً خاصاً، كأنها امتداد طبيعي لذاك التاريخ المشترك.

ينتمي الأمين إلى أسرة عريقة، يتقدمها والده الشيخ مصطفى الأمين، الذي انتقل من المتمة إلى الخرطوم، وأسّس مسيرة ناجحة في التجارة والزراعة، قبل أن يتوسع في النشاط الصناعي، فأنشأ عصارات الزيوت النباتية، ليصبح من كبار رجال الأعمال في البلاد. وقد سار الأمين على ذات الطريق، لكن بروحه الخاصة، ورؤيته المستقلة.

ورغم غيابي الطويل عن السودان في فترات متباعدة، لم ينقطع التواصل بيننا. كان دائماً حاضراً، قريباً، وكأن المسافة لا تعني شيئاً. وقد زارني في البيت بالمعادي في القاهرة، يونيو 2024، برفقة صديقه عمر موسى الشيخ الجعلي، وكان لقاءاً بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في معناه. كما التقينا في أكثر مناسبة اجتماعية في القاهرة خلال العامين 2024 و2025، بجانب تواصلنا الراتب والمنتظم عبر تطبيق الواتساب.

كان الأمين مهموماً بالشأن الوطني، منشغلاً بمستقبل السودان، ومدركاً لدور رجال الأعمال في إعادة البناء والإعمار. كان صاحب رأي مستقل، وأفكار واضحة في تقوية الاقتصاد، يشارك بها في المنتديات والنقاشات العامة، لا بحثاً عن حضور، بل عن أثر.

وكان، إلى جانب ذلك، محباً للرياضة، شغوفاً بكرة القدم، متابعاً لها بحماس، وداعماً لابنه عثمان في نشاطه، خاصة في نادي المريخ.

أما إنسانيته، فهي مما يصعب الإحاطة به في كلمات. كان كريماً بطبعه، سخيّ اليد، لا يتردد في دعم أي عمل إنساني أو خيري. وما لجأت إليه في أي جهد لجمع التبرعات إلا وكان من أوائل المستجيبين، دون أن ينتظر شكراً أو تقديراً.

وقد واصل مسيرة والده في دعم التعليم الأهلي، ذلك المشروع الذي شارك فيه والده مع والدي محمد حاج الخضر علي كمير، ونخبة من قيادات المجتمع في الخرطوم، فأسسوا مدرسة الخرطوم الأهلية الوسطى، التي تلقيت فيها تعليمي الأوسط. ولم يكتفِ الأمين بالدعم، بل دافع عن هذه المؤسسات حتى في ساحات القضاء ضد وزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم، مؤمناً بأهميتها.

وعندما أجبرته الحرب على مغادرة السودان في أبريل 2023، خرج وهو يحمل وجع الوطن في قلبه، وعبّر عن ذلك بكلماتٍ صادقة مؤثرة. فبعد مرور عام على خروجه، كتب رسالة تختصر حاله، وتكشف عمق إحساسه بما جرى، قال فيها:
“في مثل هذا اليوم من العام الماضي الحزين ترجلنا في رحلة حزينة لمصر، صاحبتنا فيها مرارة ضياع الوطن الحبيب على أيدي أبنائه، والعين تزرف دموع الوفاء والانتماء للوطن، وتتحسر لضياع البلاد والعباد على أيدي النخبة المتسلطة والمدمنة للفشل”.

كانت كلمات تنضح بالحسرة، لكنها في ذات الوقت تعكس صدق انتمائه، وعمق ارتباطه بالوطن. ومع ذلك، لم يطل غيابه، فقد كان من أوائل العائدين إلى السودان، يسعى لاستعادة عمله، والمساهمة في عودة الحياة، رغم صعوبة الظروف..

لم يكن الأمين من المستسلمين، ولا من الذين يغلبهم اليأس، بل كان يرى المستقبل بعين الأمل والعمل.

رحيل الأمين فقدٌ كبير، ليس لأسرته فحسب، بل لكل من عرفه، ولكل من عمل معه، ولكل من ناله شيء من عطائه.

رحم الله الأمين الشيخ مصطفى الأمين، رحمة واسعة، وتقبله قبولاً حسناً، وأسكنه فسيح جناته.
والعزاء لزوجته، ولابنه عثمان، ولكل أفراد أسرته، وأهله، وأصدقائه.
نسأل الله أن يلهمهم الصبر، ويربط على قلوبهم… فالدنيا دار فناء، والدوام لله والبقاء له وحده.

الواثق كمير
تورونتو، 30 مارس 2026