طارق الهادي: يا عبير تعالي

أطروحة في كتاب القيادة السياسية والسوشيال ميديا

مصطفى عبدالعزيز البطل
———-

بحسب حبيبنا البروف عبداللطيف البوني فإن موجة وتداعيات إقالة العميد طارق الهادي كجاب تراجعت في السوشيال ميديا، وحل محلها ترند “عبير”، الفتاة التي صعد مجنونها الى أحد اعلى أبراج الكهرباء وأخذ يصيح بأعلى صوته: “يا عبير تعالي”، وتسبب في قطع الكهرباء في امدرمان لمدة خمس ساعات!

وقد خطر لي ان انتهز فرصة تقاعد العميد طارق من موقعه في ترند السوشيال ميديا، بعد تقاعده من خدمة القوات المسلحة، وانشغال الناس بأمر عبير ومجنونها لأهمس في أذن قيادة الدولة ببعض الملاحظات التي تتعلق بمناهج ادارتها للشأن العام وردود أفعالها في مواجهة الوقائع الطارئة.

وفي أمر إدارة “الوقائع الطارئة” هناك تعبير مصطلحي راكز في الأكاديميا والسياسة والدبلوماسية والإعلام في دول الغرب وهو: Damage control. ونجد أصل هذا المصطلح في المجال العسكري البحري، ويعني السيطرة على السفينة بعد اصابتها حتى لا تغرق. وقد يصح تعريب المصطلح في الحياة السياسية والمدنية تحت معاني اتخاذ خطوات وإجراءات سريعة للحد من الخسائر والآثار السلبية الناتجة عن مشكلات أو أخطاء مفاجئة ومنع تفاقمها. ويتم تدريس هذا المفهوم ضمن مناهج “مهارات القيادة” في المعاهد والأكاديميات في أغلب دول العالم.

الذي نلاحظه في أداء القيادة السياسية للدولة عندنا هو أنها تند عن هذا المفهوم ولا تركن اليه، وأنها في أحيان كثيرة تدير شؤونها وشجونها عند مواجهة الوقائع الطارئة بروح ومنطق رد الفعل فتجزع وتضطرب وينخلع قلبها كلما سمعت نباحاً أو صياحاً في مواقع التواصل الاجتماعي، ثم تسارع إلى اتخاذ القرار الذي تحسبه مطلوباً دون تقويم موضوعي للواقعة أو الوقائع بما يتسق ومقتضيات الDamage control الذي يتطلب بالضرورة قوة الشكيمة ثم حكمة التروي والاستئناس بالحقائق والظروف المحيطة بما هي فيه.

في قضية الناجيين، ناجي مصطفى والناجي عبدالله وهما من قادة الاستنفار الشعبي، ظلا على مدى ثلاث سنوات يرتديان الزي العسكري ويتقدمان كتائب الجهاد، يخطبان في الناس كيفما اتفق لهما، يرفعان الهمم ويحرضان المؤمنين على القتال. ولم ترى الدولة، طوال عهد الرجلين بالخطابة، ثمة بأس أو مدعاة للتوقف والتفكّر. ثم فجأة وبلا مقدمات اضطرب الفضاء الاسفيري بنشطاء من المعسكر المناوئ للدولة والجيش، انساق معهم بعض داعمي القوات المسلحة، يستنكرون إرتداء هؤلاء للرداء العسكري وحديثهما في الشأن العام، فماذا كان موقف الحكومة؟ قامت الهوجة الاسفيرية الاولى ضد الناجي الأول، فما كان من القيادة إلا ان سارعت في الحين والتو فانتزعته من بين صفوف المقاتلين وجردته من ردائه وسلاحه وألقت به في السجن. ثم قامت الهوجة الاسفيرية الثانية ضد الناجي الآخر فأمرت به القيادة لفورها، وقام اليه الجلاوزة وألقوا به هو ايضاً في غيابة الجب. وقيادة الدولة عندنا هي عبدالمأمور، يأمر الإسفير فيُطاع!

وحالة العميد طارق الهادي ربما تختلف عن سابقاتها، فهو ضابط رفيع في القوات المسلحة، اعتاد خلال سني الحرب ان يخاطب الناس عبر عدة منابر متحدثاً في الشأن العام، يعبر عن رأيه جهاراً بجرأة غير معهودة لا تسمح بها في العادة نظم وقوانين القوات المسلحة. لماذا إذن وقفت القيادة السياسية والعسكرية صامتة أمام هذه الظاهرة على مدى ثلاث سنوات؟ لا نعلم. ثم فجأة وعلى حين غرة صيّح البعض في أعالي الأسافير ودقوا الطبول ونفخوا المزامير فهرع القائد العام لفوره لا يلوي على شئ فأصدر القرار وأقال الرجل وأرسله إلى بيته!

تمت اقالة العميد طارق بصورة، تبدو مثيرة للدهشة، بناءً على تظاهرة اسفيرية تحلقت حول برنامج بثته الآلة الإعلامية لدولة الأمارات (سكاي نيوز عربية، العين الإخبارية، وأذرعها في السوشيال ميديا) قامت فيه بانتزاع فقرات من حديث العميد وسبكته بأخرى ونسبت اليه على منهج ولا تقربوا الصلاة ما لم يقل، بل نسبت اليه عكس ما قال تماماً. والآلة الأماراتية آلة إعلامية جبارة ولكنها أبعد ما تكون عن قيم الصدق والأمانة، اشتهرت بين الناس بالتزييف والطمس واشاعة الفاحشة بين الذين آمنوا. وقد قامت سكاي نيوز الأم في بريطانيا قبل أسابيع بإعلان قرارها بفض شراكتها وسحب ترخيصها من الفرع الأماراتي المملوك للشيخ منصور بن زايد، وحددت أسبابها وفق ما فصلته ونشرته “التلغراف ” و”الغارديان” البريطانيتين في عدم المهنية ونشر البروباغاندا.

وكان الظن في قضية العميد طارق الهادي أن السيطرة وحصر الأضرار تكون باتخاذ إجراءات دبلوماسية وإعلامية تبصر المجموعات المستهدفة سواء في الخليج أو غيرها بأمر التضليل المتعمد للقناة التي اتهمتها ربتها، سكاي نيوز الأصل في بريطانيا بالضلال، وليس بالانكسار أمام تهريج السوشيال ميديا والاستخذاء أمام جبروت الآلة الإعلامية لمنصور بن زايد. ذلك ان القرار الذي قضى بإقالة العميد لم يزد عن كونه أكد وثبت الاتهام الكاذب بأن ضابطاً رفيعاً في القوات المسلحة السودانية دعا إلى إبادة أهل الخليج!

ماذا نريد أن نقول؟

من المهم ان تكون قيادة الدولة صاحبة المبادرة والفعل والقرار المستقل في كل أمر، وألا تقع في أسر السوشيال ميديا حتى إذا دخل ناشطوها جحر ضب دخلت وراءهم. إن تفعيل أسلوب الداميدج كونترول بغرض احتواء أي أضرار محتملة عند وقوع ما يستدعي ذلك يتطلب الأناة والتثبت المنهجي والتحكم والسيطرة والثقة بالنفس، ويستتبع ذلك أنه يقتضي، أيضاً وبالضرورة، ألا ترتبك قيادة الدولة وتتوتر وتجزع أمام صولات الصائلين وتحسب كل صيحة عليها، فتندفع لتستجيب لكل من تنمّر وتجبّر وعلا صوته بمظنة ان في ذلك ما يرضيهم ويؤمنها. القائد يقود ولا يُقاد!

https://www.facebook.com/share/p/1HtWpirgTz/?mibextid=wwXIfr