السفير.د.معاوية البخاري
تتخذ المواجهة الأمريكية–الإيرانية منحى أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع الدبلوماسية القسرية مع التصعيد الميداني في مشهد يبدو أقرب إلى “تفاوض تحت النار” منه إلى عملية سياسية تقليدية. فبين “النقاط الأمريكية الخمس عشرة” ذات السقف المرتفع، و”النقاط الإيرانية الخمس” التي تختزل مقاربة سيادية وأمنية مضادة، يتسع هامش التباين، ليس فقط في مضمون المطالب، بل في فلسفة التفاوض ذاتها: واشنطن تسعى لإعادة تشكيل السلوك الإقليمي الإيراني، بينما تعمل طهران على تثبيت معادلة ردع متوازن دون تقديم تنازلات استراتيجية.
في قلب هذا المشهد، يبرز قرار دونالد ترامب بتمديد المهلة عشرة أيام، أخرى مقرونًا بتهديد بضرب منشآت الطاقة الإيرانية، كأداة ضغط قصوى تعكس إدراكًا أمريكيًا مزدوجًا: ضرورة رفع كلفة التعنّت الإيراني، مقابل تجنّب الانزلاق إلى حرب شاملة عالية الكلفة. غير أن هذه المهلة، بدل أن تفتح نافذة تهدئة، عمّقت منسوب الشكوك، خصوصًا مع تسريبات تفيد بأن إيران لم تطلب تمديدها أصلًا، في محاولة واضحة لنزع الشرعية عن الإطار التفاوضي الأمريكي.
هرمز بين التهوين الأمريكي والتلويح الإيراني
في تطور لافت، صرّح ترامب بأن الولايات المتحدة “لا تحتاج إلى “مضيق هرمز ”، وأن الدول التي تعتمد عليه “لا تفعل شيئًا”. هذا التصريح لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع لإعادة توزيع أعباء الأمن الإقليمي. فواشنطن، التي أصبحت أقل اعتمادًا على نفط الخليج، تحاول نقل جزء من كلفة حماية الممرات البحرية إلى القوى المستفيدة، خصوصًا في آسيا وأوروبا.
لكن هذا “التهوين” الأمريكي من أهمية المضيق لا يلغي واقعه كأحد أهم شرايين الطاقة العالمية، بل يفتح الباب أمام مفارقة خطرة: فبينما تقلل واشنطن من اعتمادها عليه، تحتفظ إيران به كورقة ضغط استراتيجية قادرة على إرباك الأسواق العالمية ورفع أسعار الطاقة في لحظات. ومن هنا، يصبح المضيق ساحة اختبار لإرادات متقابلة: أمريكية تسعى لردع دون تورط، وإيرانية تلوّح دون إغلاق فعلي.
تفاوض بلا هدنة: الضغط كبديل عن التسوية
المعطيات الراهنة تشير إلى غياب نية حقيقية لوقف إطلاق النار، مقابل تصاعد نمط تفاوضي قائم على مراكمة الضغوط. فواشنطن تعزز وجودها العسكري في الخليج، وتدفع بحشود إضافية في إطار استعراض القوة، بينما تواصل طهران استخدام أدواتها غير المباشرة، سواء عبر تهديد الملاحة أو عبر حلفائها الإقليميين.
هذا النمط من “التفاوض دون تهدئة” حقيقية يخلق بيئة شديدة الهشاشة، حيث يتحول كل تحرك عسكري أو تصريح سياسي إلى عامل محتمل للتصعيد. ومع ذلك، يظل كلا الطرفين حريصًا حتى الآن على إبقاء المواجهة ضمن حدود يمكن التحكم بها.
الاقتصاد كجبهة موازية للحرب
لم يعد الصراع محصورًا في الجغرافيا العسكرية، بل امتد إلى الأسواق العالمية. فقد شهدت البورصات تراجعًا ملحوظًا، بالتوازي مع ارتفاع أسعار الطاقة، نتيجة القلق من أي اضطراب محتمل في الإمدادات عبر مضيق هرمز. وهنا تتجلى معادلة معقدة: الولايات المتحدة تضغط اقتصاديًا على إيران، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع عزل نفسها عن تداعيات ارتفاع الأسعار عالميًا، بينما تستخدم طهران “قلق الأسواق” كأداة ضغط غير مباشرة.
بين الخديعة والتكتيك: مسارات متوازية أم مواجهة مؤجلة؟
السؤال الأهم: هل نحن أمام تصعيد يقود إلى مواجهة، أم أمام “خديعة استراتيجية” تُدار فيها المسارات العسكرية والدبلوماسية بالتوازي لتحقيق مكاسب تفاوضية؟
ثمة مؤشرات على إدارة تكتيكية محسوبة:
• رفع سقف التهديدات دون تنفيذ فوري.
• استمرار قنوات الاتصال غير المباشرة.
• ضبط إيقاع التصعيد بحيث لا يتجاوز خطوطًا حمراء معينة.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل عوامل الخطر:
• الحشود العسكرية الأمريكية المتزايدة.
• حساسية ملف الطاقة عالميًا.
• تعدد اللاعبين الإقليميين واحتمالات الخطأ غير المقصود.
إلى أين تتجه البوصلة؟
في ضوء هذا المشهد المركب، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. تسوية تحت الضغط: تنازلات محدودة من إيران مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، دون اتفاق شامل.
2. تصعيد مضبوط: استمرار التوتر مع عمليات محدودة ورسائل ردع متبادلة.
3. انفجار غير محسوب: حادث ميداني أو خطأ في الحسابات يقود إلى مواجهة أوسع.
خاتمة: من يملك كلفة الاستقرار؟
تصريح ترامب حول عدم الحاجة إلى مضيق هرمز يختصر تحوّلًا أعمق في التفكير الاستراتيجي الأمريكي: من دور “الضامن المجاني” لأمن الطاقة العالمي إلى دور “مدير الأزمة” الذي يطالب الآخرين بدفع الفاتورة. غير أن هذه المقاربة، وإن بدت واقعية من زاوية المصالح الأمريكية، تحمل في طياتها مخاطر إعادة تشكيل التوازنات بطريقة قد تفتح المجال أمام مزيد من عدم الاستقرار.
وفي ظل غياب وقف لإطلاق النار، واستمرار التفاوض تحت الضغط، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متناقضة: تسوية مؤجلة، أو تصعيد محسوب، أو انزلاق مفاجئ. وبين هذه المسارات، يظل مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر مائي، بل إنه عنوان الصراع وأداته في آنٍ واحد يحتاج الي معالجة شاملة تاخد بالبد الدولي والوطني على حد سواء ، ومصالح المستفيدين كافة . فيما تبقى الجهود الاوربية للتدخل الأجل على نحو ما تمضي فرنسا وبريطانيا قائمة بعيداً عن الانجرار في الحرب الماضية.
—————-
٢٧ مارس ٢٠٢٦ م
