السفير.د.معاوية البخاري
مدخل: حين تتحول السرديات إلى عبء سياسي
تشهد المنطقة واحدة من أكثر لحظاتها تعقيدًا منذ عقود، حيث تتقاطع حسابات القوة مع ضرورات السياسة، وتتقدم سرديات “الانتصار” في الخطاب الداخلي لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، مقابل إصرار إيراني على تحقيق الحد الأدنى من المكاسب الاستراتيجية التي تبرر كلفة المواجهة الباهظة، وتعلي من الضمانات والتعويضات. غير أن هذه السرديات، على اختلافها، تخفي وراءها حقيقة أكثر صلابة: لا أحد يملك انتصارًا حاسمًا، والجميع يدفع ثمنًا متصاعدًا، إقليميًا ودوليًافي غياب المشروعية الدولية.
أولًا: الانتصار كأداة تسويق داخلي
في واشنطن وتل أبيب، يجري تسويق ما تحقق باعتباره إنجازًا ردعيًا، يعيد رسم قواعد الاشتباك ويحد من تمدد النفوذ الإيراني. لكن هذا “الانتصار” يبقى محكومًا بسقف سياسي أكثر منه عسكري، إذ تدرك الإدارة الأمريكية أن الانزلاق إلى حرب مفتوحة يتجاوز قدرتها على التحمل، خاصة في ظل أولوياتها العالمية وتوازناتها الداخلية، وضغوط الحلفاء. أما إسرائيل، فترى في استمرار الضغط ضرورة استراتيجية، لكنها تصطدم بحدود القوة عندما تتحول الجبهات إلى ساحات استنزاف متعددة.
ثانيًا: إيران ومعضلة الحد الأدنى من المكاسب
في المقابل، تواجه إيران معادلة أكثر تعقيدًا. فهي، من جهة، لا تستطيع التراجع السريع دون كلفة سياسية داخلية تمس هيبة النظام ومشروعه الإقليمي، ومن جهة أخرى، تدرك أن الاستمرار في التصعيد يفاقم خسائرها الاقتصادية والعسكرية، ويضعها في مواجهة مباشرة مع تحالفات دولية آخذة في التشكل. لذلك، تبدو طهران حريصة على تثبيت “حد أدنى من المكاسب” دون الانجرار إلى تنازلات جوهرية في هذه المرحلة.
ثالثًا: اتساع رقعة الصراع وتشابك ساحاته
لا يكمن التحدي فقط في مواقف الأطراف الرئيسية، بل في اتساع رقعة التأثيرات الجيوسياسية للحرب. فامتداداتها في العراق والأردن ولبنان، وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، تعكس أن الصراع لم يعد محصورًا في جغرافيا محددة، بل تحول إلى شبكة أزمات مترابطة. ويزداد هذا التعقيد مع دخول مضيق هرمز في معادلة التهديد، بما يحمله من مخاطر مباشرة على إمدادات الطاقة العالمية وأسعارها.
رابعًا: الحذر الأوروبي وحدود التأثير
في هذا السياق، تبرز محاولة بريطانية-فرنسية لتشكيل إطار أمني بحري يهدف إلى حماية الملاحة دون الانخراط المباشر في الحرب. هذه المقاربة تعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن استمرار الصراع يهدد المصالح الاقتصادية العالمية، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن حدود القدرة الأوروبية على التأثير في مسار النزاع دون غطاء دولي وتوافق أمريكي واضح.
خامسًا: كلفة الحرب أعلى من مكاسبها
أمام هذا المشهد، يصبح الحديث عن “انتصار” طرف على آخر أقرب إلى الوهم السياسي منه إلى الواقع الاستراتيجي. فالكلفة التي ترتبت على الحرب—بشريًا واقتصاديًا وأمنيًا—تفوق أي مكاسب محتملة، وتضع الجميع أمام معادلة خاسرة إذا استمر التصعيد. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم النجاح: ليس باعتباره هزيمة للخصم، بل كقدرة جماعية على تجنب الانهيار الشامل.
سادسًا: نحو مقاربة وسطى تقودها الواقعية السياسية
السبيل إلى ذلك يمر عبر مقاربة وسطى، تقودها الولايات المتحدة بضغط متوازن على كل من إسرائيل وإيران، يهدف إلى تقليص الفجوة بين المواقف وفتح نافذة لتسوية مرحلية قابلة للتطوير. هذه المقاربة لا تعني فرض حل نهائي بقدر ما تسعى إلى إدارة الصراع وتفكيك عقده الأكثر خطورة، وبؤر الانفجار.
سابعًا: ملامح الحل التوافقي الممكن
يمكن ترجمة هذه المقاربة إلى رزمة إجراءات متزامنة تشمل:
• وقفًا متدرجًا لإطلاق النار عبر جميع الساحات المرتبطة، بما يحد من منطق “تعدد الجبهات”.
• ضمانات أمنية متبادلة، تركز على حماية المنشآت الحيوية وخطوط الملاحة، خصوصًا في مضيق هرمز.
• إدماج الفاعلين الإقليميين في إطار حوار أمني أوسع يربط بين أمن الخليج واستقرار المشرق.
• فتح مسار اقتصادي موازٍ يخفف آثار العقوبات والدمار بشكل تدريجي ومشروط.
خاتمة: التوافق بوصفه الانتصار الوحيد الممكن
إن نجاح هذه المقاربة يتطلب قبل كل شيء إسقاط وهم “الانتصار الكامل”، واستبداله بفكرة “الأمن الجماعي” والسلم الدولي بمفهومه الشامل، كمدخل وحيد للخروج من الأزمة. فالمنطقة تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما الاستمرار في دوامة التصعيد التي تستنزف الجميع، أو الانتقال إلى منطق التوافق الذي يوازن بين المصالح ويخفض الكلفة.
في النهاية، لا يكمن التحدي في تحقيق انتصار يُسوّق داخليًا، او تعظيم المقاربة الصفرية، بل في امتلاك الشجاعة السياسية للاعتراف بأن التوافق—مهما كان صعبًا—هو الانتصار الوحيد الممكن، لأنه وحده القادر على إنقاذ المنطقة من حرب بلا أفق، والعالم من كلفة لا يحتمل استمرارها خارج القيد الزمني الذي حدد لها (٤-٦ اسابيع).
—————
٢٦ مارس ٢٠٢٦ م
