بقلم :إبراهيم عدلان
في العاشر من مارس، تكشف خريطة تشغيل المطارات في الخليج والشرق الأوسط عن حالة غير اعتيادية من التقلبات التشغيلية، حيث تتراوح أوضاع المطارات بين التشغيل الكامل، والتشغيل الجزئي، والإغلاق التام. هذه الصورة لا تعكس مجرد تحديات تشغيلية محلية داخل المطارات، بل تشير إلى تأثير مباشر للتوترات الجيوسياسية على منظومة الطيران المدني في المنطقة، بل وعلى شبكة الملاحة الجوية الممتدة إلى شبه القارة الهندية.
أولاً: نمط التشغيل الجزئي كأداة لإدارة المخاطر
أبرز ما يميز المشهد الحالي هو لجوء عدد من الدول إلى نموذج التشغيل الجزئي للمطارات بدلاً من الإغلاق الكامل. ويظهر ذلك بوضوح في:
• مطار الملك عبدالعزيز في جدة
• مطار الملك خالد في الرياض
• مطار الشارقة
• مطار حمد الدولي في الدوحة
التشغيل الجزئي يعني عملياً أن المطارات تعمل بقدرة محدودة، وغالباً ما تقتصر العمليات على:
• رحلات الإجلاء
• الرحلات الحكومية
• بعض الرحلات الإنسانية أو الخاصة
هذا النموذج يسمح بالحفاظ على الجاهزية التشغيلية دون المخاطرة بإدارة حركة تجارية كثيفة في بيئة أمنية متقلبة.
ثانياً: الإغلاق الكامل كخيار سلامة
في المقابل، اختارت بعض الدول الإغلاق الكامل للمطارات، كما حدث في:
• مطار الكويت الدولي
• مطار البحرين الدولي
• معظم المطارات العراقية
• مطار دمشق الدولي
هذا القرار يعكس عادة ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية أو الصاروخية، ما يجعل استمرار الحركة الجوية المدنية غير ممكن دون تعريض سلامة الطيران للخطر.
في مثل هذه الحالات يصبح مبدأ السلامة أولاً هو المحدد الأساسي للقرار، حتى لو ترتب عليه توقف كامل للنقل الجوي.
ثالثاً: مطارات حافظت على الاستقرار
وسط هذا المشهد المضطرب، حافظت بعض المطارات على تشغيل مستقر نسبياً، مثل:
• مطارات الأردن
• مطار مسقط الدولي
• مطار الملك فهد في الدمام
هذه المطارات تمثل حالياً مراكز استقرار إقليمي يمكن أن تعتمد عليها شركات الطيران لإعادة تنظيم شبكاتها التشغيلية في ظل الأزمة.
رابعاً: المطارات البديلة وإعادة توزيع الحركة الجوية
من المؤشرات اللافتة أيضاً تحويل مطار القيصومة في حفر الباطن إلى مطار بديل للكويت.
هذا يعكس أحد أهم مبادئ إدارة الأزمات في الطيران المدني، وهو تفعيل المطارات البديلة لضمان استمرار القدرة على استقبال الطائرات في حال تعذر الوصول إلى المطارات الرئيسية.
وفي مثل هذه الظروف، تكتسب المطارات الثانوية أهمية استراتيجية لأنها توفر خيارات آمنة للهبوط وتخفف الضغط على المطارات الكبرى.
خامساً: امتداد التأثير إلى شبه القارة الهندية
لكن التأثير الحقيقي لهذه الاضطرابات لا يتوقف عند حدود الخليج، بل يمتد مباشرة إلى أجواء شبه القارة الهندية التي تعد جزءاً أساسياً من شبكة الحركة الجوية المرتبطة بالخليج.
فالملايين من المسافرين سنوياً بين:
• الهند
• باكستان
• بنغلاديش
• سريلانكا
يعتمدون على المطارات الخليجية كمراكز عبور رئيسية نحو أوروبا وأفريقيا وأمريكا الشمالية.
لذلك فإن أي اضطراب في تشغيل مطارات الخليج يؤدي تلقائياً إلى إعادة توزيع مسارات الطيران فوق بحر العرب وجنوب آسيا.
سادساً: الضغط على المجال الجوي الهندي والباكستاني
مع تغير المسارات الجوية، قد تضطر شركات الطيران إلى تحويل بعض الرحلات بعيداً عن مناطق التوتر، ما يؤدي إلى:
• زيادة كثافة الحركة الجوية فوق غرب الهند
• ارتفاع الضغط على مركز المراقبة الجوية في كراتشي
• استخدام أكبر للممرات الجوية فوق بحر العرب
وهنا يبرز المجال الجوي الباكستاني كأحد الممرات البديلة المهمة للطائرات العابرة بين شرق آسيا وأوروبا أو أفريقيا، نظراً لموقعه الاستراتيجي بين الخليج وجنوب آسيا.
كما قد تتحول بعض المطارات في الهند مثل:
• مومباي
• أحمد آباد
• دلهي
إلى مطارات بديلة للطائرات العابرة في حال استمرار القيود التشغيلية في الخليج.
سابعاً: السودان وإدارة المخاطر في المجال الجوي
في هذا السياق الإقليمي المضطرب، يمكن النظر إلى قرار الفتح الجزئي للأجواء الشرقية للسودان وتشغيل بعض المطارات باعتباره نموذجاً عملياً لإدارة المخاطر في الطيران المدني.
فبدلاً من الإغلاق الكامل أو الفتح غير المحسوب، جاء القرار في صيغة تشغيل محدود ومدروس يسمح بما يلي:
• الحفاظ على الحد الأدنى من حركة الطيران
• استمرار الربط الجوي الضروري للدولة
• تقليل المخاطر التشغيلية المرتبطة بالوضع الأمني
وهذا النهج يتسق مع ما نشهده اليوم في عدد من مطارات الخليج، حيث أصبح التشغيل الجزئي أداة رئيسية لإدارة المخاطر الجوية في مناطق التوتر.
كما أن موقع السودان الجغرافي على البحر الأحمر يمنحه أهمية إضافية، إذ يمكن أن يشكل ممراً بديلاً لبعض الحركة الجوية بين أفريقيا والشرق الأوسط في حال استمرار الاضطرابات في المنطقة
إن ما نشهده اليوم في مطارات الخليج والشرق الأوسط ليس مجرد اضطراب تشغيلي مؤقت، بل هو إعادة توزيع لحركة الطيران في فضاء جغرافي واسع يمتد من البحر الأحمر إلى بحر العرب وشبه القارة الهندية.
وفي هذا المشهد المعقد، تظهر أهمية السياسات المرنة التي تعتمد التشغيل الجزئي وإدارة المخاطر بدلاً من القرارات الحادة.
ففي عالم الطيران الحديث، لم يعد السؤال هو: هل يُفتح المجال الجوي أم يُغلق؟
بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تشغيله بدرجة آمنة تتناسب مع مستوى المخاطر المحيطة؟ ✈️
