بين تقصي الحقائق ومنابر الخارج والرباعية: من يملك تعريف الأزمة في السودان؟


السفير.د.معاوية البخاري

في لحظة سودانية شديدة التعقيد، تتقاطع ثلاثة مسارات تبدو منفصلة في ظاهرها لكنها متشابكة في العمق بتجلياتها: تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية، وظهور قائد مليشيا قوات الدعم السريع المتمردة من الخارج بخطاب يحمل تناقضات، للتلهي ، وحراك الرباعية ومبعوث الرئيس الأمريكي على خلفية نقاشات حديثة في مجلس الأمن. هذه المسارات لا تعكس فقط تطورات سياسية، بل صراعًا على تعريف الأزمة نفسها: هل هي حرب بين دولة وتمرد؟ أم نزاع متكافئ بين طرفين يحتاج إلى تدخل ووصاية دولية لإدارته؟

تقرير تقصي الحقائق… القانون في قلب السياسة
شكّل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بعثة مستقلة لتقصي الحقائق بشأن الانتهاكات المرتكبة في السودان، وأصدرت تقارير تضمنت اتهامات بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، مع توصيات شملت تعزيز المساءلة الدولية، وحماية المدنيين، وتوسيع آليات الرصد.

من حيث المبدأ، لا خلاف على ضرورة حماية المدنيين أو منع الإفلات من العقاب. غير أن الإشكال يكمن في السياق السياسي الذي يُستدعى فيه التقرير. فالتوصيات، وإن صيغت بلغة قانونية، تتحول في أروقة مجلس الأمن الدولي إلى أدوات ضغط يراد لها أن تُفضي إلى عقوبات إضافية أو ترتيبات دولية أوسع او إحالات وغير مما اعتادت عليه هذه المنصة.

الموقف الرسمي السوداني اتسم بالتحفظ على ولاية البعثة، واعتبارها مساسًا بالسيادة الوطنية وتجاوزًا للاختصاص القضائي الداخلي، مع التأكيد على أولوية الآليات الوطنية. في المقابل، ترى أطراف دولية أن السياق الحالي لا يوفر ضمانات كافية للمساءلة المحلية. وهكذا يصبح التقرير جزءًا من معركة الشرعية: من يملك توصيف الجريمة؟ ومن يملك حق المحاسبة؟ في سياق صراع الارادات الذي عكسته جلسة مجلس الامن من أيام تحت الرئاسة البريطانية!؟

ظهور حميدتي من كمبالا… خطاب إعادة التموضع
في هذا المناخ الضاغط، جاء ظهور قائد مليشيا قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو من كمبالا كملهاة لتضيف بعدًا سياسيًا وإقليميًا للصراع. فالظهور من منصة خارجية بالزي الأفريقي لا يخلو من دلالات؛ إذ يعكس سعيًا لتأكيد الحضور السياسي، والعسكري ومحاولة إعادة التموضع والندية في لحظة تشهد تحولات ميدانية وضغوطًا دولية متزايدة، رغم الجرائم البشعة والانتهاكات والإدانات الدولية ضده، يراد له أن يصور كزعيم إفريقي ويصفر سجله بكل هذا الرصيد القميء من الممارسات التي ترقي لجرائم الحرب وضد الإنسانية والإبادة الجماعية وكل مصطلحات قاموس الارهاب .

الخطاب الذي طُرح حمل تناقضات لافتة: حديث عن الاستعداد للسلام ووقف الحرب، يقابله تمسك بشروط سياسية وميدانية قد تُفهم باعتبارها سعيًا لتحسين شروط التفاوض. كما بدا أن هناك محاولة لإعادة توزيع المسؤولية عن الانتهاكات بصورة كلية على الطرف الآخر، في وقت تتزايد فيه التقارير التي تشير إلى مسؤوليات متعددة، لكنها مسرحية للراعي الاقليمي بإعادة إنتاجه ستسقط كما سقط التمرد وتكشفت أهدافه التي تستهدف المواطن وكيان الدولة وبنياتها التحية وحيوات الناس.

الدلالة الأهم أن المعركة لم تعد عسكرية فحسب، بل أصبحت صراعًا على الصورة والرواية. كل طرف يسعى لتقديم نفسه باعتباره الشريك الممكن للمجتمع الدولي، فيما يُحمّل خصمه مسؤولية إطالة أمد الحرب. ومن هنا، فإن الظهور الخارجي لحميدتي في صورة (زعيم إفريقي) يعكس إدراكًا بأن موازين القوى تُصاغ أيضًا في العواصم الإقليمية والدولية، لا في ميادين القتال وحدها او هكذا صور له.والمطلوب ان يغرق الكل في تفاصيل خطابه وجرائمه ماثلة والمعاناة شاخصة.

الرباعية ومبعوث ترامب… تسوية بشروط من؟
على مسار موازٍ، تتحرك صيغة “الرباعية” التي تضم الولايات المتحدة وشركاء إقليميين، في محاولة لإعادة تنشيط جهود وقف إطلاق النار والدفع نحو ترتيبات سياسية انتقالية. ويبرز في هذا السياق دور مسعد بولس، مبعوث الرئيس دونالد ترامب، ضمن مقاربة تقوم على الضغط السياسي والدبلوماسي لإحداث اختراق في ملف وقف العدائيات، وربط أي مسار سياسي لاحق بإعادة ضبط المشهد التفاوضي بما يراعي أولويات واشنطن الإقليمية.

ويأتي هذا الحراك على خلفية نقاشات حديثة في مجلس الأمن الدولي، حيث طُرحت أفكار تتعلق بوقف إنساني لإطلاق النار، وتوسيع وصول المساعدات، وربما أدوات ضغط إضافية في حال تعثر المسار السياسي. توجهات تستبطن العقوبات عبر استخدام الشأن الإنساني.

غير أن الدولة السودانية تتحفظ على أي صيغة تُساوي بينها وبين ما تصفه بالتمرد، وترى أن وقفًا غير منضبط لإطلاق النار قد يتحول إلى فرصة لإعادة التموضع العسكري. وفي المقابل، ترى أطراف دولية أن استمرار العمليات العسكرية يفاقم الكلفة الإنسانية ويعقّد أي تسوية لاحقة. و بمقدور هذه القوى ان تغلق مصادر السلاح وتعاقب التمرد عوضاً عن تقويته والقفز الي حلول لا تاخذ بمعاناة شعب بكامله مقابل جرائم ومنظومة ارهابية مدعومة من الخارج ولها راعي إقليمي معروف .

صراع على تعريف الصراع
المسارات الثلاثة تتقاطع عند سؤال جوهري: كيف يُعرَّف النزاع السوداني؟ فتعريفه كنزاع داخلي بين طرفين متكافئين يقود إلى مقاربة تفاوضية ضاغطة ومتوازنة شكليًا. أما تعريفه كحرب بين دولة وجماعة مسلحة، فيقود إلى مقاربة مختلفة تركز على استعادة احتكار الدولة للقوة قبل الانخراط في عملية سياسية شاملة.

هذا التباين في التعريف ينعكس مباشرة على طبيعة القرارات الدولية، وحدود التدخل، وصياغة البيانات الأممية، بل وحتى على لغة الوساطة نفسها. وهذا التناقض بين القوى الدولية الفاعلة يشيء بمخطط ما يقوم على سلاح العقوبات والجنائية مصوب بالدرجة الاولى على حكومة السودان .

خاتمة
السودان اليوم ليس فقط ساحة حرب، بل ساحة تعريف سياسي وقانوني. تقرير تقصي الحقائق، وظهور حميدتي الخارجي، وتحركات الرباعية ومبعوث ترامب، كلها حلقات في صراع أوسع حول من يملك حق صياغة المستقبل السوداني.

إن أي تسوية مستدامة لن تُكتب لها الحياة ما لم توازن بين ثلاثة اعتبارات: حماية المدنيين بصورة عاجلة وفعالة، احترام سيادة الدولة ومؤسساتها، وإطلاق مسار سياسي لا يكافئ العنف ولا يشرعن فرض الأمر الواقع القوة . وبين ضغط الخارج ومقتضيات الداخل، يظل التحدي الأكبر هو إنتاج جبهة قومية متماسكة، و رؤية وطنية قادرة على مخاطبة العالم بلغة المصالح المشتركة، دون التفريط في حق السودانيين في أن يعرّفوا أزمتهم بأنفسهم، او تسوية دولية لا تأخذ بمشاغل الدولة ومحدداتها .
……………،،،،،،
٢٢ فبراير ٢٠٢٦ م