هيكلة القطاع المصرفي واصلاحه واستعادة التعافي َوتمويل القطاعات الاقتصادية الإنتاجية ربما مثلت اهم ماتستهدفه مرتكزات السياسات المالية والنقدية للعام 2026م، هذه السياسات التي جاءت في ظروف استثنائية فرضتها تداعيات حرب الخامس عشر من أبريل 2023م دفعت خبراء المصارف والاقتصاد لإجراء نقاشات واسعه حول إمكانية نجاح تلك السياسات في تحقيق أهدافها في ظل التحديات الراهنة فهل ينجح بنك السودان المركزي فى إنقاذ القطاع المصرفي؟
الخرطوم :الطيب علي
بنك السودان المركزي أصدر امس الخميس سياساته المالية والنقدية للعام 2026 م متضمنة أولويات مهمه لإعادة التعافي وإصلاح الجهاز المصرفي
وإستهدفت السياسات تحقيق نمو إسمي في عرض النقود بنسبة 47.6%، ونمو القاعدة النقدية بنسبة41.1% ومتوسط سنوي للتضخم بنسبة 65% .
وركزت سياسات هذا العام وفقا لمنشور البنك المركزي على إصلاح الجهاز المصرفي وإعادة هيكلته، تحديث البنى التحتية لنظم الدفع، تعزيز الشمول المالي والتحول الرقمي، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء الثقة واستدامة النمو.
كما ركزت أيضا على توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية والأنشطة ذات الأولوية، بما يساهم في خفض التضخم ومرونة واستقرار سعر الصرف لدعم استعادة التوازن الكلي وتبني مبادئ التمويل المستدام والتمويل الأخضر بما يتماشى مع التوجهات العالمية، وتحسين إدارة العملة الوطنية.
ويقول المحلل الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي فى حديثه لـ (اخبار السودان) أن سياسات البنك المركزي هي مجموعة الأدوات والإجراءات التي يستخدمها للتحكم في المعروض النقدي لتحقيق استقرار الأسعار (مكافحة التضخم)، ودعم النمو الاقتصادي، وضمان استقرار النظام المالي، وتتضمن أدوات مثل عمليات السوق المفتوحة ،وقواعد تنظيمية صارمة للبنوك المحلية، وتوجيهات لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتطوير التقنيات المالية مثل المصرفية المفتوحة مشددًا على وجود دور اكبر لمؤسسة ضمان الودائع لحماية أموال المودعين، إلى جانب إصدار تعاميم مرنة للسحب والتحويل،
وتهيئة البيئة المصرفية لعودة التحويلات والاستثمارات من الخارج،
وتعزيز دور حماية “المستهلك المصرفي” من خلال إحداث ادارة متخصصة لذلك داخل البنك المركزي
المدفوعات الرقمية :
ويمضى فتحي قائلا : الان هناك حوجة للدفع الإلكتروني، ومحول وطني مركزي يربط الصرافات ونقاط البيع والبطاقات، والاتفاق مع شركات عالمية للمدفوعات الرقمية، دعماً للشمول المالي والتتبّع الرقمي للمعاملات، وتفعيل الاتفاقيات مع صندوق النقد العربي على انضمام السودان إلى منصة ” بُنى” للمدفوعات العربية. مشيرا إلى المستثمرون ينتظرون إستراتيجية وطنية شاملة لكي يعمل البنك المركزي من خلتلها لإعادة بناء القطاع النقدي والمصرفي، وفق محاور الاستقرار النقدي، والتحول الرقمي، وإصلاح التشريعات، وإعادة الاندماج الدولي، والشمول المالي،
تدهور :
ويشير إلى أن الحرب تسببت في هزه قوية للقطاع المصرفي السوداني حيث قادت إلى تراجع حاد في أدائه ودخوله في حالة من الانكماش الحاد والشلل شبه الكامل لعدد مقدر منها .
فقد تدهورت أعمال معظم البنوك بشكل ملحوظ ، مع انعدام في الثقة وفقدان بيئة الاستقرار الضرورية لعمل المؤسسات المالية السودانية منوها إلى أنه لا تتوفر بيانات حديثة وموثوقة حول حجم الودائع والقروض في البنوك الخاصة، إلا أن التقديرات تُشير إلى أنها بقيت محدودة بسبب هشاشة البيئة الاقتصادية، وعلى الرغم من الحاجة المتزايدة للتمويل، بقي القطاع الخاص عاجزاً عن الحصول على قروض كبيرة، ما دفعه للاعتماد المتزايد على التمويل الذاتي أو اللجوء إلى قنوات تمويل غير مصرفية
اقتصاد نقدي
ويضيف أن من الأثار التى خلفتها على الحرب على القطاع المصرفي وتبديل وتبديل العملة دفعت الاقتصاد السوداني نحو نموذج يسمي “اقتصاد نقدي”حيث تراجع استخدام الأدوات المصرفية لصالح التداول النقدي المباشر في السوق، حيث لم تؤدي معظم البنوك السودانية دوراً تمويلياً فاعلاً للقطاع الخاص أو المشروعات الإنتاجية، في حين اختار المودعون الأفراد موقف الترقّب والتحفّظ.
وقد فقدت العملة الوطنية أكثر من 80% من قيمتها خلال ثلاث سنوات ،ما أدى إلى خسائر جسيمة وتآكل شبه كامل لمدخرات الأفراد، وسط غياب رؤية مصرفية فعّالة لترميم الثقة أو تحفيز الإقراض والاستثمار.
تحديات وقيود
ويرى المحلل المصرفي وليد دليل في حديثه لـ (اخبار السودان) بأن السياسة النقدية في السودان تواجه تحديات كبيرة بسبب النطاق المحدود لأدوات السياسة المتاحة وإن قدرة البنك المركزي على التأثير على المعروض النقدي مقيدة بسبب النظام المالي المتخلف في البلاد وهيمنة القطاع غير الرسمي.
ويضيف : هذا يحد من فعالية تدابير السياسة التقليدية، مثل عمليات السوق المفتوحة ومتطلبات الاحتياطي. بالإضافة إلى ذلك، فإن الافتقار إلى سوق ما بين البنوك يعمل بشكل جيد يعيق نقل إجراءات السياسة النقدية إلى الاقتصاد الأوسع لافتا إلى أن السودان يعاني من ارتفاع معدلات التضخم لفترة طويلة، مما يشكل تحديا كبيرا للسياسة النقدية.
. ويشير إلى أن التضخم يؤدى إلى تآكل القوة الشرائية للجنيه السوداني ويقوض فعالية تدابير السياسة النقدية التي تهدف إلى استقرار العملة. وتزداد قدرة البنك المركزي على السيطرة على التضخم تعقيدا بسبب عوامل جانب العرض، مثل صدمات أسعار المواد الغذائية والقيود الهيكلية، والتي تقع خارج نطاق السياسة النقدية وحدها.
ويمضى دليل قائلاً :لقد تعرض نظام سعر الصرف في السودان لتغييرات وتقلبات متكررة، مما خلق حالة من عدم اليقين وتحديات للسياسة النقدية. في الماضي، استخدم البنك المركزي نظام سعر صرف ثابت، يليه نظام التعويم المُدار، ومؤخراً، نظام التعويم المُدار مع ربط العملة.
ويؤكد أن هذه التحولات المتكررة في سياسات أسعار الصرف تجعل من الصعب على البنك المركزي الحفاظ على الاستقرار والقدرة على التنبؤ في سوق الصرف الأجنبي، الأمر الذي له آثار على التضخم والنمو الاقتصادي.
إحدى القيود الرئيسية للسياسة النقدية في السودان هي هيمنة السياسة المالية. إن الإفراط في اقتراض الحكومة من البنك المركزي لتمويل عجز الميزانية يفرض ضغوطاً تصاعدية على التضخم ويحد من قدرة البنك المركزي على اتباع سياسة نقدية مستقلة. وهذه الظاهرة، المعروفة باسم الهيمنة المالية، تقوض فعالية تدابير السياسة النقدية وتعرقل قدرة البنك المركزي على تثبيت توقعات التضخم.
عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي:
ويذهب إلى أن السودان شهد فترات طويلة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، مما يشكل تحديات إضافية للسياسة النقدية. وقد أدت التحولات السياسية والصراعات والعقوبات الاقتصادية إلى تعطيل أداء النظام المالي وأعاقت قدرة البنك المركزي على تنفيذ تدابير سياسية فعالة. علاوة على ذلك، أدى ضعف المؤسسات وقضايا الحوكمة إلى الافتقار إلى المصداقية والثقة في سياسات البنك المركزي، مما يزيد من تعقيد فعالية إجراءات السياسة النقدية.
كماتمثل التوقعات المستقبلية للسياسة النقدية في السودان تحديا، نظرا للوضع الاقتصادي الحالي في البلاد. ومع ذلك، من خلال تنفيذ مجموعة شاملة من التدابير، بما في ذلك تعزيز إطار السياسة النقدية، وتنفيذ تدابير نقدية أكثر صرامة، وتعزيز التنويع الاقتصادي، وتعزيز الشمول المالي، وتعزيز التكامل الإقليمي، يمكن للسودان تمهيد الطريق لمستقبل أكثر استقرارا وازدهارا. ومن الأهمية بمكان أن يدرس صناع السياسات هذه التوصيات بعناية وأن يتخذوا إجراءات حاسمة لمعالجة التحديات الاقتصادية التي يواجهها السودان.
ويقول الخبير فى مجال التقنية المصرفية والتحول الرقمي محمد الخير أنه في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان بعد الحرب، وإزاء التدهور الكبير الذي أصاب القطاع المصرفي من حيث البنية التحتية، فقدان الثقة، وتدهور قيمة الجنيه السوداني، تأتي سياسات بنك السودان المركزي للعام 2026 كخطوة مهمة لكنها محفوفة بالتحديات.
ويتابع :إعلان البنك عن تركيز سياساته على إصلاح الجهاز المصرفي وإعادة هيكلته هو اعتراف مباشر بعمق الأزمة، وهو توجه مطلوب، لكنه يتطلب ما هو أكثر من النوايا، مثل:
- معالجة التشوهات في ميزانيات البنوك.
- إعادة رسملة البنوك المنهكة.
- مراجعة شاملة للتشريعات المصرفية والحوكمة.
تحديث البنى التحتية لنظم الدفع يمثل تحديًا جوهريًا في ظل الدمار الذي طال المحول القومي ونقاط الربط بين البنوك. لا بد من تبني حلول هجينة توازن بين المركزية والمرونة التقنية، مع دعم بنوك الولايات والبنوك ذات الإمكانيات المحدودة.
أما تعزيز الشمول المالي والتحول الرقمي، فهو مسار استراتيجي لا غنى عنه، لكنه يتطلب:
- بنية تحتية اتصالية مستقرة.
- إطار تشريعي يضمن حماية المستخدمين.
- إشراك القطاع الخاص وشركات الـFintech بشكل فعّال.
توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية هو هدف نبيل، لكنه يصطدم بغياب آليات رقابة فعالة، ومخاطر تعثر مرتفعة بسبب تدهور البيئة الاستثمارية.
أن من أهم متطلبات التعافي هو إعادة هيكلة البنوك عبر الاندماج، خاصة أن عددًا من البنوك العاملة حاليًا تفتقر للملاءة المالية والقدرة التقنية لمواكبة المتغيرات. الدمج المدروس بين هذه البنوك يمكن أن يُساهم في:
- تقوية رؤوس الأموال.
- تحسين كفاءة التشغيل.
- تعزيز التنافسية والقدرة على تقديم خدمات رقمية فعّالة.
- توسيع نطاق الشمول المالي خاصة في المناطق الطرفية.
ولضمان نجاح ذلك، يجب أن يُبادر البنك المركزي بوضع خطة تنفيذية واضحة ومُحفزات تشريعية تُشجع على الاندماج الطوعي وتضمن الحوكمة السليمة وحماية حقوق جميع الأطراف.
َويشدد على إن نجاح هذه السياسات يتطلب:
- إصلاح جذري وليس فقط تحديث تقني.
- شراكة واسعة تشمل الحكومة، القطاع الخاص، والجهات الدولية.
- شفافية ومساءلة في التنفيذ..
ما بعد الحرب يُمثل فرصة لإعادة بناء القطاع المصرفي من الأساس، برؤية استراتيجية تستند إلى المرونة، والكفاءة، والتكامل المؤسسي.
