لست كاتبة .. ولا صحافية .. ولا أملك ناصية الكلم .. ولا ادعي أنني قد أحظى بإعجاب عند قراءة كلماتي هذه كون انها المرة الاولى التي احاول فيها ان اسطر احاسيس ومشاعر حية لتجربة انسانية عايشتها خلال ساعات .
أنا ايمان ادريس ذهبت اليوم الاربعاء ٢٠ اغسطس ٢٠٢٥ إلى محطة قطار رمسيس بالقاهرة لوداع صديقتي التي قررت العودة إلى وطنا الحبيب لكنني لم اكن أتوقع ما رايت من مشهد لتدافع اهلي شيب وشباب نحو قطار العودة بعد الحرب .
هو مشهدٌ يمزج بين الأمل والألم، ولا تستطيع ان ترسمه بكلماتك ليصبح صورة حية.
حشودٌ تتدافع، لا صوت يعلو فوق صوتهم المتشابك. أقدامٌ متعبة تُسرع الخطى، وأيادٌ تُمسك حقائب .. عجوزٌ تكاد أن تسقط من التعب وهي ترتجف تبحث عن ابنها الذي انشغل بترتيب العفش داخل القطار ..وطفلٌ يشدّ ثوب أمه خوفًا من أن يفقده في الزحام. وامراة شابة تحمل طفلا على كتفها وتمسك باهر بيدها كانت تركض في حين بدات عجلات القطار تدور . في هذه اللحظة الحاسمة ظهرت سيدة كانت تدق على ابواب غرف القطار بشدة وما ان فتح احدها حتى زجت بتلك السيدة بقوة إلى الداخل .. علمت ان هذه السيدة الشجاعة التي كانت تتنقل وتركض لإكمال ترتيبات السفر هي أميمة المسئولة عن برنامج العودة الطوعية ، اسال الله ان يتقبل منها ومن كل افراد اللجنة وكل من له سهم في هذا العمل العظيم.
كلٌ منهم يحمل قصة، وجميعهم يركضون نحو محطة القطار، نحو اللحاق برائحة تراب بلدنا.
الوجوه تنظر إلى أفق بعيد يصعب قراءة ما ذا تريد .. كل عينٍ تحكي حكاية. عيونٌ مليئة بالدموع، تارةً من الفرح وأخرى من الحزن على ما تركوه خلفهم. وجوهٌ شاحبة من سنوات الغربة والشقاء، لكنها اليوم تبتسم. هناك من يرفع رأسه للسماء، كأنه يشكرها على هذه الفرصة الجديدة.
عندما يصلون إلى القطار، تتغير الحركة من الركض إلى التدافع. الجميع يريد أن يجد مكانًا. لا أحد يبالي بالحقائب، بل المهم هو الوصول إلى الداخل. الأيدي تمتد لتُساعد بعضها البعض، وفي تلك اللحظة، يختفي الخوف ليحل محله التعاون والأمل.
بمجرد أن يُغلق باب القطار، يعمّ الصمت. يختفي الضجيج، وتتلاشى حركة الأجساد. يجلسون متعبين، يلقون نظرة أخيرة على المحطة التي كانت شاهدة على سنوات الشقاء. هنا، تدرك أن هذا القطار ليس مجرد وسيلة نقل، بل هو جسرٌ يربط الماضي بالمستقبل، يربط الحنين بالوطن.
لحظتها احسست بمشاعر معقدة ، مزيج من الحزن والشوق والأمل ، وربما الخوف ايضا .حاولت ان ارسم هذه المشاعر عندما تعود إلى وطنك بعد سنوات غربة لجوء .
تداخلت الصور في مخيلتي وتزاحمت الذكريات التي تحملها دواخلي وبدا يراودني حلم اليوم الذي المس فيه تراب وطني الجميل مرة اخرى . او التقي فيه صديقات جامعة الأحفاد التي تمثل جزءا مهما في حياتي .. او زيارة قبر والدي الحبيب الذي تركته خلفي في مقابر البكري بامدرمان.
هذا الشوق الذي يملأني ليس فقط للمكان بل للناس وأصوات العربات ورائحة الماضي والذكريات والعودة إلى الجذور .
نعم فقدنا كل شي حتى صورنا الشخصية التي تمثل لنا الماضي والمستقبل لكن الان نستمد الامل بان القادم سيكون افضل .. هذا الامل هو ما يدفعنا للأمام وبث فينا روح تجاوز الحزن الماضي على ما فقدناه ويجعلنا نتجاوز التحديات
خالص شكرا لمنظومة الصناعات الدفاعية التي جعلت ذلك ممكناً
