دعي صديقنا الدكتور الواثق كمير في مقال: (هل للجيش دور في تأسيس الدولة؟ دعوة الي حوار موضوعي ) الي إدارة حوار حول دور الجيش في السياسة، ورغم ان الواثق لم يجيب علي السؤال الذي طرحه في (ربما يفعل في مقال قادم) ألا انه دون شك يشكر علي طرح السؤال ومحاولة البحث عن إجابة له.
ليس هذا المقال دفاعا عن الجيش كمؤسسة، فالجيش في غني عن دفاعي عنه، ولو كنت من مؤيدئ أنظمة الحكم العسكرية لكنت قد التحقت بنظام الإنقاذ وقد كانت الفرصة متاحة لأكثر من مرة خاصة ونحن نري اليوم الكثيرين ممن عملوا مع ذلك النظام يتقدمون الصفوف ويحدثوننا عن الديمقراطية، وأخرين ممن دعوا علنا لمشاركة ذلك النظام انتخاباته التي كانت مزمعة فى(2020) يعتلون منصات القنوات ويتبجحون بدعاوي الديمقراطية. وحقيقة كما يقال (الإختشوا ماتوا)! لكننا نعيش في بلاد يعتقد بعض ناشطيها ان شعبها بلا ذاكرة ويمكن الضحك عليه بإستمرار، او هكذا ظنوا فذاقوا وبال اكاذيبهم وانتهازيتهم ولذلك ليس مستغربا ان تحولوا الي عملاء (معتقين) للقوي الأجنبية يدعونها ويساندونها لغزو بلادهم ويصمتون حتي وان اغتصبت المليشيا حرائر اسرهم وروعت سكان قريتهم ونهبتها!
مما يؤسف له أن القوي السياسية لا تعترف بأخطائها و لا تتوب منها، واستثني من ذلك الأسلاميين الذين خرجوا في شجاعة نادرة واعلنوا انهم أخطأؤوا وانهم نادمون علي ما انتهت اليه تجربتهم وانهم تابوا من الإنقلابات والتآمر وذلك أمر يحمد لهم! فقد انفردوا بذلك وهو سلوك جديد في الساحة السياسية يحسب لهم. ورغم انني كتبت عن تجربتهم وما ابقيت واشبعتهم نقدا في مقالات وكتب، ورغم اني علاقتي بهم كعلاقة الدجاج بيوم العيد (كما يقول المثل الشعبي) إلا انني اصبحت مطمئنا أنهم لن يعودوا الي ممارساتهم السابقة. مصدر طمأنينتي سلوكهم في السنوات التي تلت سقوط نظامهم وممارستهم لضبط النفس رغم ما لحقهم من اذي وضرر بليغين وتجاوز تام للقوانيين في حقهم ومحاولة استئصالهم من الحياة العامة بل حتى من حق العيش و العمل في بلادهم! ألم نعارض الإسلاميين لأنهم فعلوا بنا ذلك وشردونا في فجاج الأرض، فكيف جاز للبعض ان يفعل ذات الأمر الذي رفضه عندما وقع في حقه، وما هو الفرق إذن! بل إنما يفعلون ذلك يبررون للأسلاميين ممارساتهم السابقة. وهذا ليس موقفي وليس موقف الكثيرين كما اعلم. إن الموقف الصحيح هو ان نبرهن للإسلاميين و للعالم إننا افضل منهم واننا نتيح لهم الحرية وحق العمل والتملك في بلادهم ونسمح لهم بحق التقاضي والفيصل بيننا وبينهم القانون! هذا وحده ما يعيد الإستقرار لبلادنا.
ورغم ما ذكرناه عن شجاعة الإسلاميين في الإعتراف بأخطائهم، إلا ان القوي السياسية الأخري لا تزال (عاملة رايحة) او (اضان الحامل طرشاء)!
نحاول في هذا المقال مناقشة قضية الجيش في السياسية وتصحيح هذا الفهم المقلوب، فقد تعبنا من استهبال بعض القوي السياسية وبعض المبتدئين من الناشطين .
تكرر في الاونة الاخيرة منذ ثورة ديسمبر وما بعدها مطلب خروج الجيش من السياسة حتى صار الامر من (المحفوظات) خاصة عند جماعة المجلس المركزى فما طلع متحدث منهم على الفضائيات حتى صك آذاننا بضرورة خروج الجيش من السياسة حتى أصبح التعبير يكاد يتساوي مع البسلمة. هذا الحديث على سذاجته يستبطن مفهوم ان الجيش يتدخل في السياسة وان تدخل الجيش في السياسة اصبح من المسلمات او هكذا يزعمون!
وكعادة من يمارسون التزييف و البهتان ومحاولة استغفال البسطاء من الناس يخفون الحقيقة الثابتة تاريخيا التى يعرفها القاصي والداني وهي عكس ما يقولون تماما. فالثابت تاريخيا ان الاحزاب السياسية هى التى تدخلت في الجيش وجرته الى مستنقع السياسة الوحل وليس العكس.
في كل الانقلابات التى وقعت ثبت ان وراء الانقلاب حزب سياسي، ولا نريد ان نضيع وقت القارىء فيما هو معروف من حقائق تاريخية مثبتة يعرفها القاصي والداني. هذه حقيقة لا يستطيع طمسها إلا ذو غرض، والغرض مرض.
لذلك يبقي الطرح الصحيح هو المطالبة بخروج الاحزاب السياسية من الجيش وليس خروج الجيش من السياسية، لأنه ببساطة متي خرجت الأحزاب السياسية من الجيش، خرج الجيش من السياسة. الأمر بهذه البساطة.
في كل الانقلابات التى وقعت تحرك حزب من خلال خلاياه داخل الجيش واستولي على السلطة وقام بالانتقام من خصومه السياسيين بتسليط اجهزة الدولة الامنية عليهم. كل التجاوزات والانتهاكات التى حدثت في سنيين الانقاذ الاولى كانت تقف خلفها اجهزة الحركة الاسلامية، وبنفس القدر كل التجاوزات التى وقعت بعد انقلاب نميري كانت تقف خلفها اجهزة اليسار والقوميين العرب.
اذن نحن نتحدث عن احزاب تقوم بتجنييد خلايا داخل الجيش وتنتظر الفرصة لتنقض على السلطة ثم تسوم خصومها السياسيين سوء العذاب.
لكل ذلك فالصحيح هو الحديث عن وقف تدخلات الاحزاب السياسية في الجيش وان تلتزم فيما بينها بعدم تجنيد وادلجة خلايا خاصة بها داخل القوات المسلحة. هذا بالطبع ان حملنا حديث الأحزاب عن الديمقراطية علي محمل الجد. ويتوجب علي الأحزاب توقيع ميثاق شرف تلتزم به تماما بعد تجنيد وأدلجة خلايا تابعة لها في الجيش!
مسؤولية الانقلابات التى وقعت في البلاد تسأل عنها الاحزاب السياسية التى وقفت خلفها وليس الجيش. فالثابت ان الانقلابات الثلاثة التى نجحت (٥٨، ٦٩، ١٩٨٩) كانت تقف خلفها احزاب سياسية معروفة، اى ان ضباط الجيش لم يقوموا بانقلاب من بنات افكارهم.
بسبب تدخل بعض القوي السياسية في الجيش أعدم ضباط وجنود كثر دفعوا حياتهم ثمنا لمؤامرات الأحزاب وبحثها للوصول للسلطة بأقصر الطرق، كما قتل ومات تحت التعذيب الالآف من المواطنيين. كل ذلك ترمي به بعض الأحزاب السياسية الجيش وتريد ان تخرج من الجريمة كخروج الشعرة من العجين ولكن هيهات. ولا زال املي باقيا ان ينهض احد الضباط الدارسيين في اكاديميات الجيش بدراسة تفصيلية توثق لكل الذين اعدموا من الجيش بسبب تدخلات الأحزاب السياسية إن لم تكن هذه الدراسة قد تمت بالفعل. ومن نافلة القول فقد دفع ضباط وجنود الجيش اثمانا باهظة بسبب تدخلات القوي السياسية.
ان الحديث عن تدخل الجيش في السياسة يجب ان يوجه للاحزاب السياسية وعلى الاحزاب السياسية مواجهة نفسها وعليها الاعتراف بأخطائها وانها هي من جرت الجيش لمستنقع السياسة تنفيذا لاجندتها الحزبية واقصاءً للاخرين.
بعد كل التجارب المريرة أصبح على الاحزاب السياسية وقف الكذب وخداع الذات ورمي اخطائها على الجيش. كل الاحزاب العقائدية عملت وتعمل حتى اليوم لتجنيد خلايا داخل الجيش لمصلحتها، رغم ذلك تخرج علينا صباح مساء لتحدثنا عن الديمقراطية وضرورة خروج الجيش من السياسة. لقد طال أمد هذا النفاق واستطال وقد آن اوان وقفه. هذا يقتضي علي الأحزاب بالضرورة الإعتراف ببعضها البعض ورفض الإقصاء لأى حزب او قوى سياسية وان يكون الفيصل بينها صندوق الإنتخابات مع الإلتزام بالحقوق الأسياسية لكل القوي السياسية وحقها في النشاط والعمل الجماهيري بصورة سلمية والإلتزام بحقوق المواطنة كاملة دون نقص وان تبعد الخدمة المدنية من التسييس وتقوم علي الكفاءة المهنية لجميع المواطنيين، وعدم فصل اي مواطن لأسباب سياسية. وأن وظائف الخدمة العامة من درجة وكيل وما دون تخضع للقدرات والتميز في الآداء وليس للرغبات والميول السياسية.
خلاصة القول ان الجيش لن يخرج من السياسة ان لم توقف الاحزاب نشاطاها داخل الجيش وتجنيد وادلجة الضباط والجنود. و لكن متى ما انصرفت الاحزاب لحالها سينصرف الجيش لحاله. اما الحديث المكرور عن ضرورة خروج الجيش من السياسة فهو حديث بلا معني طالما استمرت عمليات انشاء الخلايا داخل الجيش وطالما ظلت الأحزاب السياسية تتربص ببعضها البعض.
لقد جربت القوي السياسية اساليب التآمر علي بعضها البعض فحصدت جميعا ما نراه الآن في بلادنا. و الأسوء من كل ذلك أن تذهب قوي سياسية بلا حياء للإستنصار بالأجنبي وتشجيعه علي غزو البلاد واستعمارها من جديد لتعود علي حصانه للحكم، اي عار وطني انحطت اليه تلك القوي في شبقها لبلوغ السلطة. افتقدت الحياء تماما من الشعب، و الحياء شعبة من شعب الإيمان!
فلا و الله ما في العيش خير
و لا الدنيا إذا ذهب الحياء
إذا لم تخش عاقبة الليالي
ولم تستحّي فافعل ما تشاء
(ابو تمام)
هذا مقال تمهيدي لدعوة الدكتور الواثق كمير وسأعود بمقال آخر عن دور الجيش في الفترة الإنتقالية كما فصل الرجل في مقاله الذي اتفق معه في أجزاء عديدة وأختلف في البعض!